قضية إبستين وانهيار السردية الأخلاقية الغربية
شبكة الشرق الأوسط نيوز : كشفت قضية إبستين عن وجه آخر للمجتمع الغربي شبكة من الثروة والسلطة والنفوذ تم فيها تحويل المراهقين المستضعفين إلى أدوات لإشباع الرغبات الشخصية. لم تكن هذه القصة مجرد انحراف فرد واحد، بل أظهرت أيضًا كيف يمكن لبيئة من الصمت والانتهازية أن تساعد في استمرار الجريمة.
وكالة مهر للأنباء- القسم الدولي:لم تكن قضية جيفري إبستين مجرد فضيحة جنسية أو قضية جنائية، بل أصبحت تدريجيًا رمزًا لأزمة أخلاقية عميقة وتناقض في ادعاء الدفاع عن حقوق الإنسان في الغرب. رجلٌ ظل لسنواتٍ يتردد على قلب شبكة السلطة والثروة والسياسة في أمريكا، اتُهم بتنظيم الاعتداء الجنسي على فتيات مراهقات. التقى بشخصيات سياسية وأكاديمية واقتصادية بارزة، وتوطدت علاقته بها، واستضاف النخب في منازله وجزيرته الخاصة. ولكن عندما انكشفت الأبعاد الحقيقية للقضية، لم تبقَ أسئلة كثيرة دون إجابة فحسب، بل أصبحت طريقة تعامل وسائل الإعلام والمؤسسات الغربية مع القصة نفسها قضيةً مثيرةً للجدل.
عندما تراجعت العدالة أمام النفوذ
نجا إبستين لأول مرة من عقوبة قاسية عام 2008 باتفاق مثير للجدل. شهدت عشرات الفتيات المراهقات بتعرضهن للاعتداء، لكنه أقرّ بذنبه في تهمتين فقط على مستوى الولاية، وقضى فترة قصيرة في السجن في ظروف شبه حرة. تم إبرام الاتفاق دون علم الضحايا بشكل كامل، وكُشف بعد سنوات أن المدعين العامين أسقطوا التهم الفيدرالية. كان الاتفاق كافيًا لإثارة تساؤلات كثيرة حول ما إذا كان العدل يُطبق بالتساوي في أمريكا، أو ما إذا كان للثروة والنفوذ تأثير في تغيير مسار القانون.
عندما أُلقي القبض عليه مجددًا عام ٢٠١٩، عُقدت آمالٌ على إجراء محاكمة علنية هذه المرة، وكشف مدى اتساع شبكة علاقاته. لكن وفاته المفاجئة في سجن فيدرالي في مانهاتن قبل بدء المحاكمة حالت دون كشف الكثير من الحقائق. كانت الرواية الرسمية هي الانتحار، لكن سلسلة من الثغرات الأمنية، وتعطل الكاميرات، وإهمال ضباط السجن، أثارت موجة من الشكوك في الرأي العام. حتى لو قبلنا الرواية الرسمية، يبقى السؤال الرئيسي قائمًا: كيف مات أحد أهم السجناء الفيدراليين في مثل هذه الظروف دون إشراف فعّال؟
الإعلام والصمت المطبق
لطالما قدّم الغرب نفسه مدافعًا عن حرية الإعلام وشفافيته. في العديد من البلدان، تُحوّل وسائل الإعلام الأمريكية السائدة أدنى انتهاك أو جريمة إلى مؤشر على أزمة هيكلية. لكن في قضية إبستين، ورغم التغطية الإعلامية الواسعة، سرعان ما انحرف التركيز عن القضية البنيوية. واقتصرت النقاشات في كثير من الأحيان على نظريات المؤامرة أو التنافسات الحزبية، وقلّ الحديث عن السؤال الجوهري حول كيفية عمل شبكة استغلال جنسي لسنوات في قلب المجتمع الغربي النخبوي.
لو وقعت مثل هذه القضية في دولة إسلامية، لكانت وسائل الإعلام الغربية بلا شكّ قد قدّمتها كدليل على “فساد الثقافة الدينية المتأصل” أو “عجز الأنظمة غير الغربية عن حماية حقوق النساء والأطفال”. وقد أظهرت أمثلة مماثلة في الماضي أن وسائل الإعلام الغربية، عند مواجهة أخطاء الدول غير الغربية، تُسرع في إصدار الأحكام وتعميمها على البنية الثقافية والدينية بأكملها. لكن في قضية إبستين، نادرًا ما رأينا مثل هذه التعميمات حول الثقافة الغربية أو النظام الليبرالي.
انتقائية حقوق الإنسان
يُعدّ الدفاع عن حقوق الإنسان، ولا سيما حقوق النساء والأطفال، أحد أهمّ ادعاءات الغرب على الساحة الدولية. وكثيرًا ما شكّل هذا الادعاء أساسًا للضغط السياسي والإعلامي على الدول الأخرى. لكن قضية إبستين أظهرت أن المعايير تتغير عندما يتعلق الأمر بشخصيات محلية نافذة. استغرق الأمر سنوات حتى أُخذت الشكاوى الأولية على محمل الجد. تم تجاهل الضحايا المراهقين مرارًا وتكرارًا، وحتى بعد إعادة اعتقال إبستين، ركزت وسائل الإعلام على قائمة ضيوفه من المشاهير أكثر من تركيزها على معاناتهم.
قال العديد من الضحايا إنهم شعروا بأن النظام القضائي قد تخلى عنهم في المراحل الأولى. إذا كان نظام يعتبر نفسه مدافعًا عن حقوق الإنسان يعاني من مثل هذه العيوب في حماية الأطفال المستضعفين، فكيف يمكنه أن يحكم بثقة على الوضع في البلدان الأخرى؟
ازدواجية السرد الأخلاقي
في العقود الأخيرة، حاول الغرب تقديم نفسه كنموذج للأخلاق الحديثة. من الحريات الفردية إلى المساواة بين الجنسين، تم تسليط الضوء على كل ذلك باعتباره إنجازات للحضارة الغربية. لكن قضية إبستين كشفت عن وجه آخر لهذا المجتمع نفسه. شبكة من الثروة والسلطة والنفوذ تم فيها تحويل المراهقين المستضعفين إلى أدوات لإشباع الرغبات الشخصية. لم تكن هذه القصة مجرد انحراف فرد واحد، بل أظهرت أيضًا كيف يمكن لبيئة من الصمت والانتهازية أن تساعد في استمرار الجريمة.
لو تم اكتشاف شبكة مماثلة في دولة غير غربية، لكان التحليل على الأرجح سيتجه نحو انتقاد البنية الثقافية والدينية لذلك المجتمع. لكن في هذه الحالة، كان التركيز غالبًا على “الفرد المنحرف” أو “الفشل الإداري”، بدلًا من أزمة أخلاقية أوسع. هذا الاختلاف في تأطير وسائل الإعلام هو ما يراه الكثيرون دليلًا على ازدواجية المعايير.
موت الأخلاق أم فشل المساءلة؟
يرى العديد من المراقبين أن قضية إبستين تمثل تراجعًا في الأخلاق العامة في الغرب. ليس فقط بسبب الجرائم التي ارتُكبت، بل بسبب طريقة التعامل معها. صفقة الإقرار بالذنب عام ٢٠٠٨، والوفاة المثيرة للجدل في السجن، والكشف التدريجي عن الوثائق على مر السنين اللاحقة، كلها أظهرت مدى صعوبة محاسبة السلطة. حتى بعد إدانة جيليان ماكسويل، ظل هناك شعور لدى البعض في الرأي العام بأن الحقيقة الكاملة لم تُكشف بعد.
كما أظهرت القضية أن وسائل الإعلام الرئيسية، على الرغم من دورها الرقابي، قد تكون حذرة أحيانًا من هياكل السلطة. كان الكشف عن بعض جوانب القضية نتيجةً لجهود الصحفيين المستقلين والضغط الشعبي. وهذا يثير تساؤلات جدية حول مستوى استقلالية وجرأة وسائل الإعلام الرئيسية.
لو تغيرت الجغرافيا
تخيلوا لو حدثت القضية نفسها، بنفس الأبعاد، في دولة إسلامية. لكانت عناوين وسائل الإعلام الغربية على الأرجح مليئة بتحليلات حول “الأزمة البنيوية في الثقافة الدينية”، و”اضطهاد المرأة”، و”عجز الأنظمة التقليدية عن حماية الأطفال”. ولتم إعداد تقارير خاصة، وإنتاج أفلام وثائقية تلفزيونية، وممارسة ضغوط دبلوماسية. مع ذلك، في قضية إبستين، ورغم الانتقادات الموجهة، نادرًا ما شهدنا موجة إدانة حضارية ضد الغرب.
يثير هذا التباين في ردود الفعل تساؤلاً جوهريًا حول العدالة في الأحكام العالمية. هل ينبغي أن تكون حقوق الإنسان معيارًا عالميًا بلا استثناءات، أم أداةً للتنافس الجيوسياسي؟ إذا كان هناك معيار واحد، فيجب تطبيقه بغض النظر عن الموقع الجغرافي.
الخلاصة
لم تكن قضية جيفري إبستين مجرد قصة سقوط ملياردير، بل كانت أيضًا اختبارًا لمزاعم الغرب الأخلاقية وحقوق الإنسان. فقد أظهرت القضية أنه حتى في أكثر الأنظمة القضائية تقدمًا، يمكن للسلطة والنفوذ أن يعقدا مسار العدالة. كما كشفت عن مدى تأثر الخطاب الإعلامي بالاعتبارات السياسية.
لا يهدف انتقاد هذه القضية إلى تجاهل إنجازات الغرب، بل إلى دعوة صادقة لإعادة النظر في ازدواجية المعايير. فإذا كانت حقوق الطفل وكرامة الإنسان قيمًا عالمية، فيجب الدفاع عنها دون تمييز ودون التغاضي عن أي تجاوزات محلية. وإلا، سيتحول الادعاء بالدفاع عن حقوق الإنسان إلى مجرد شعار سياسي، وستتضرر ثقة الجمهور، محليًا ودوليًا، بشكل أكبر
المصدر : وكالة مهر