فادي السمردلي يكتب: لا إصلاح بلا إصلاح
بقلم: فادي زواد السمردلي …..
#اسمع_وافهم_الوطني_أفعال_لا_أقوال
لا إصلاح بلا إصلاح ليست جملةً إنشائية، ولا شعارًا صالحًا للتعليق على الجدران، بل حقيقة فاضحة تجرح كل من اعتاد الاختباء خلف ادّعاءات التغيير. فالإصلاح الذي يُقال ولا يُمارَس، ويُعلَن ولا يُلمَس، ويُسوَّق أكثر مما يُنجَز، ليس إصلاحًا على الإطلاق، بل هو شكلٌ من أشكال التضليل المنظَّم. فالادّعاء هنا لا يعالج، بل يفاقم العطب ، لأنه يمنح المنظومات الفاشلة مهلةً إضافية للاستمرار، ويمنح الجمهور جرعةَ وهمٍ بدل الحقيقة.
جوهر المشكلة أن بعض المنظومات لا تريد الإصلاح، بل تريد أن يُقال عنها إنها تُصلِح والفارق بين الأمرين شاسع فالإصلاح الحقيقي يعني المساس بالبنية، وبالبوصلة، وبطريقة اتخاذ القرار، وبشبكات المصالح التي تعيش على الخلل أمّا الادّعاء، فهو أضعف الطرق كتغيير مفردات الخطاب، واستبدال الوجوه الثانوية، وإطلاق حملات إعلامية تتحدث عن المستقبل، بينما يُدار الحاضر بالعقلية نفسها وهكذا يتحول الإصلاح إلى قناعٍ أنيق يُخفي وجهًا متعبًا يرفض الاعتراف بمرضه.
المنظومات التي تدّعي الإصلاح من دون أن تغيّر جوهرها تمارس نوعًا من التضليل فهي تعرف أن الناس سئموا الجمود، فتبيعهم وعد التغيير من دون أن تدفع ثمنه فتُعلِن «خططًا استراتيجية» لا تملك الجرأة على تنفيذها، وتتباهى بمؤشرات شكلية لا تعكس واقعًا فيُقاس النجاح بعدد الوثائق لا بعدد المشكلات التي حُلّت، وبعدد الاجتماعات لا بنتائجها، وبكمّ التصريحات لا بصدقها، وبعدد الصور لا بأثرها فهذا ليس إصلاحًا، بل مسرحية متقنة الإخراج.
الإصلاح الديكوري لا يزعج أحدًا، وهذه مشكلته الكبرى فلا يهدد مراكز النفوذ، ولا يعيد توزيع السلطة، ولا يفتح ملفات المساءلة لذا فهو إصلاح بلا أعداء، وبالتالي بلا قيمة فكل إصلاح حقيقي يخلق مقاومة، لأن هناك دائمًا من يستفيد من الخلل وعندما تدّعي منظومة ما أنها أصلحت كل شيء من دون أن تواجه أي مقاومة تُذكر، فاعلم أن ما جرى لم يكن إصلاحًا، بل إعادة ترتيب للواجهة فحسب.
الادّعاء بالإصلاح لا يجدي، لأنه يتعامل مع الأعراض لا مع الأسباب؛ فيُلمّع النتائج ويترك المدخلات فاسدة يُحدِّث القوانين ويُبقي الثقافة نفسها، ويغيّر الهياكل ويُبقي العقلية، ويستورد نماذج جاهزة من دون أن يسأل إن كانت البيئة قادرة على احتضانها ثم يُفاجأ الجميع بفشلٍ متكرر، فيُعاد تدوير الخطاب نفسه، وكأن المشكلة في الوقت لا في النهج.
الأخطر من ذلك أن الادّعاء بالإصلاح يُفقد الناس ثقتهم بفكرة الإصلاح نفسها فحين يُستَخدم المصطلح لتبرير الفشل، يتحول إلى كلمة مستهلكة بلا معنى، فيصبح «الإصلاح» مرادفًا للتأجيل، والمراوغة، وشراء الوقت وهنا تكمن الكارثة.إذ لا تعود المشكلة في المنظومة بعينها، بل في انهيار الثقة العامة بأي مشروع تغيير، لأن التجربة علّمت الناس أن كل ما يُقدَّم باسم الإصلاح ينتهي إلى لا شيء.
الإصلاح الحقيقي لا يولد من بيانات، بل من إرادة تقبل بالمحاسبة يبدأ من الاعتراف بوجود خللٍ عميق، لا من إنكاره أو تجميله ويبدأ حين تُطرَح الأسئلة الصعبة من أخطأ؟ من قصّر؟ من يجب أن يرحل؟ أسئلة ثقيلة، ولذلك تهرب منها هذه المنظومات التي تفضّل الادّعاء فالإصلاح الحقيقي مُكلف، بينما الادّعاء مربح وآمن.
لا إصلاح بلا إصلاح؛ أي لا إصلاح بلا تغيير فعلي في القواعد لا في الشعارات، وبلا عدالة تُطبَّق لا تُعلَن، وبلا شفافية تكشف ولا تبرّر. وكل منظومة ترفع راية الإصلاح من دون أن تمسّ بنيتها الداخلية، إنما تُعلن فشلها بصوتٍ عالٍ، مهما غلّفته بأفخم الكلمات فالادّعاء لا يبني، ولا ينقذ، ولا يؤخّر السقوط… بل يجعل السقوط أكثر إيلامًا حين يحدث.
الكاتب من الأردن