رمضان: من تزكية النفوس إلى صناعة الموقف،25 شعبان 1447هـ – 13 فبراير 2026م

عدنان عبدالله الجنيد. …..

قراءة تحليلية شاملة في كلمة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي – يحفظه الله، بمناسبة التهيئة لاستقبال شهر رمضان المبارك.
تمهيد منهجي:
كلمة السيد القائد ليست وعظًا موسميًا، ولا تذكيرًا تقليديًا بفضائل الشهر الفضيل، بل هي وثيقة قرآنية–حضارية توجه الأمة نحو رمضان كزمن للوعي والعمل وصناعة الموقف.
تُعيد الكلمة تعريف رمضان من زمن عبادة محدود التأثير، إلى مشروع تغييري متكامل يمس الفرد، المجتمع، الأمة، والموقف التاريخي.
المعادلة المركزية التي يؤسس لها الخطاب:
رمضان ⇐ قرآن ⇐ تزكية ⇐ وعي ⇐ موقف ⇐ جهاد ⇐ كرامة الأمة.
محددات الخطاب والجمهور المستهدف:
لم تكن كلمة السيد القائد مجرد توجيهات داخلية، بل كانت “رسالة عابرة للحدود” صيغت بعناية لتصل إلى دوائر متعددة في آن واحد:
الجمهور اليمني (الحاضنة الشعبية): سعى الخطاب إلى تحويل الحالة الرمضانية من “استرخاء تعبدي” إلى “استنفار إيماني”، بربط الصيام مباشرةً بمعركة الصمود والجهاد، لضمان استمرار الزخم الشعبي في دعم الجبهات.
الأمة الإسلامية (الضمير العام): خاطب السيد القائد وجدان الشعوب الإسلامية، محاولاً كسر حالة “الجمود والارتهان” وتذكيرهم بأن رمضان هو شهر “الفتوحات والمواقف العظيمة” لا شهر الغفلة والمسلسلات، واضعاً إياهم أمام مسؤوليتهم التاريخية تجاه فلسطين.
العدو (المعسكر الغربي-الصهيوني): حمل الخطاب رسالة ردع غير مباشرة؛ مفادها أن التضييق والحصار والحرب الناعمة لم تزد هذا الشعب إلا تمسكاً بهويته، وأن “المدرسة الرمضانية” هي المصنع الذي يمد الجبهات بالمقاتلين ذوي الإرادة الصلبة التي لا تُكسر.
النخب والمثقفين: من خلال طرح قضايا مثل (وثائق إبستين) وسقوط القناع الأخلاقي للغرب، استهدف الخطاب تحفيز العقل النقدي لدى النخب للتمييز بين “حضارة القيم” و”حضارة الرذيلة”.
المحور الأول: التهيئة كشرط أساسي لاغتنام رمضان:
التهيئة النفسية والذهنية ليست ترفًا إيمانيًا، بل هي شرط ضروري لدخول رمضان بالوعي الذي يتيح اغتنامه.
فالقيمة ليست في الزمن بذاته، بل في الوعي الذي يدخل به الإنسان إلى الزمن.
يؤكد الخطاب أن رمضان يصنع فرقًا في النفوس، ويُفترض أن ينعكس هذا الفارق في واقع الحياة، فلا يجوز الفصل بين العبادة والسلوك، أو الدين والموقف.
الإنسان مسؤول عن كيفية دخوله إلى الشهر، وليس مطلوبًا منه الاكتفاء بانتظاره.
المحور الثاني: الصيام مدرسة بناء الإرادة والتحرر من الذات:
يُعيد الخطاب تعريف الصيام من كونه امتناعًا جسديًا إلى كونه أداة تربوية شاملة.
فالصيام يزكّي النفس، ينقّي الإرادة، يصنع الانضباط، ويؤهل الإنسان لتحمّل المسؤوليات الكبرى.
إنه يربي على الصبر الذي هو أساس النجاح والاستقامة، كما يعزز الإحسان والمواساة للفقراء والمساكين.
ومن هنا يربط السيد القائد بوضوح بين: الصيام ⇐ الإرادة ⇐ الالتزام ⇐ الجهاد ⇐ الصمود، ليكون رمضان مدرسة لصناعة الإنسان الملتزم القوي الإرادة.
المحور الثالث: القرآن كمنهج للهداية والمناعة الفكرية:
يركز السيد القائد على أن القرآن ليس نصًا تاريخيًا، بل هو هدى لكل زمان ومكان، يكشف الواقع الإنساني بدقة. الأزمة ليست في غياب القرآن نصًا، بل في تعطيل دوره القيادي في السياسة والاجتماع والجهاد وصناعة القرار. العلاقة بالقرآن يجب أن تكون التزامًا واعيًا، مع التلاوة والفهم والتطبيق، فهو الذي يوفّر الوقاية والحصانة للأمة من ضلال الأعداء والانحرافات الفكرية.
المحور الرابع: تشخيص الخلل التربوي وجذور الانكسار:
يشخص الخطاب بدقة أن تفريط الأمة بمسؤولياتها، وخنوعها للأعداء، وتفككها الحضاري، كلها نتائج مباشرة لـ خلل في التربية الإيمانية، لا لنقص الإمكانات.
ويحمل الخطاب الأنظمة مسؤولية شطب الجهاد، ومحاربة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتفريغ الدين من محتواه الوقائي.
هذا الخلل هو ما جعل الأمة ضعيفة أمام مشاريع الأعداء ومتراجعة عن مواجهة الشر.
المحور الخامس: الحرب الناعمة واستهداف الوعي:
يحذر السيد القائد من أخطر أشكال الحرب: الحرب على الوعي، والحرب على القيم، والحرب على إنسانية الإنسان.
يبين أن الأعداء يسعون إلى قطع صلة الأمة بالله، وإسقاط مناعتها الداخلية، وجعلها قابلة للاستباحة.
وفي مقابل ذلك، يشكل الصيام والارتباط بالقرآن حصنًا منيعًا ضد الانحراف والتأثير السلبي للأعداء.
المحور السادس: إعادة الاعتبار للجهاد والمسؤوليات الكبرى:
يستحضر الخطاب البعد التاريخي باستحضار أن أعظم الانتصارات الإسلامية وقعت في رمضان، لأن رمضان يصنع إنسانًا قوي الإرادة لا مترهلًا.
ومن هنا يأتي التأكيد على أن الجهاد لحماية الأمة ودفع الشر عن شعوبها هو مسؤولية دينية ووطنية، تشمل المرابطة وذكر الله في الجبهات.
تؤكد الكلمة أن الفرضيات الدينية مثل الصيام والجهاد والعدل ليست شعارات، بل مسؤوليات عملية يجب الالتزام بها.
المحور السابع: فلسطين وكشف معادلة الاستباحة:
يربط الخطاب بين الانحراف التربوي وبين القبول بالجرائم الصهيونية.
يكشف السيد القائد أن ما يجري في غزة، والضفة، ولبنان، وسوريا، هو جزء من مشروع فرض الاستباحة الشاملة على الأمة.
ويُفصح عن معادلة العدو الخبيثة: تسليح المستوطنين مقابل نزع سلاح المقاومين، وتجريم من يدافع عن أرضه مقابل تبرئة القاتل المحتل.
إنها معادلة لا يقبل بها من بقيت لديه ذرة إنسانية أو إيمان.
المحور الثامن: وثائق إبستين وسقوط القناع الأخلاقي:
إشارة السيد القائد إلى وثائق المجرم جيفري إبستين ليست عرضية، بل هي كاشفة لمنظومة الانحراف الأخلاقي والفساد الشيطاني التي تصنع الزعماء داخل محاضن الجريمة.
فقد أكد السيد القائد أن هذه الوثائق كشفت عن جرائم فظيعة وفضائح مخزية للنخبة السياسية في الغرب وبعض العملاء، موضحًا أنها فضحت محضن الصهيونية وطرائق الإفساد التي يمارسها الأعداء على مستوى عالمي.
وأشار إلى أنها كشفت طقوسًا شيطانية يُرتكب فيها أفظع الجرائم ويُستهدف بها الأطفال والقاصرات، حيث وصلت جرائم الاغتصاب إلى حد تقديم الأطفال قرابين وشفط دمائهم والاتجار بأعضائهم في فضائح رهيبة ومخزية.
وشدد على ضرورة الاهتمام الكبير بهذه الوثائق لأنها كشفت عن محضن من محاضن الصهيونية يتخرج منها قادة وزعماء، موضحًا أن النخبة السياسية في الغرب من أمريكا وبريطانيا والغرب، والبعض من المترفين من هذه الأمة من العملاء، شاركوا في هذه الطقوس الشيطانية.
هذا التأكيد يهدف إلى بيان أن الصراع مع الكيان الصهيوني هو صراع حضاري وأخلاقي قبل أن يكون عسكريًا، وهو صراع قيم وفضيلة ضد رذيلة متجذرة، مما يستدعي تعزيز الوعي والتربية لمواجهته.
وتظل وثائق المجرم إبستين من أعظم الشواهد على سعي الأعداء الدؤوب للإفساد في الأرض.
المحور التاسع: ليلة القدر… ذروة التحول الرمضاني:
يؤكد الخطاب أن التهيؤ لليلة القدر يبدأ من أول رمضان، لا من ليلتها فقط.
إنها ليست مجرد ليلة عابرة، بل تمثل لحظة الاتصال الأعظم بين الهداية الإلهية وصناعة المصير.
يجب اغتنام هذه الفرصة العظيمة لتعميق الصلة بالله، مع المحافظة على التركيز على الأعمال الصالحة والذكر والتقوى، فهي ذروة البرنامج التربوي الرمضاني.
المحور العاشر: المسؤولية الفردية والجماعية في رمضان:
رمضان يشكل فرصة لمضاعفة الثواب، وهو يتطلب تعاونًا مجتمعيًا، إحسانًا، والتزامًا بالمبادئ الدينية.
فالإنسان يكتسب في هذا الشهر قوة إيجابية في إرادة الخير والأعمال الصالحة، مما يساعد على التماسك والانضباط والاستقامة.
إن أدوات مثل الصبر، المواساة، الإحسان، ومضاعفة الأجور، كلها عناصر تساهم في تقوية الإنسان والمجتمع لمواجهة المخاطر والتحديات.
المحور الحادي عشر: رمضان كمنهج شامل لصناعة الأمة:
تؤسس هذه الكلمة لمفهوم رمضان كمنهج حياة لا كموسم عابر.
إنها مشروع وعي، خطة تربية، برنامج مواجهة، وبوصلة تاريخية.
رمضان يهيئ الإنسان ليصبح فاعلًا في مجتمعه وأمته، قادرًا على صناعة الموقف والجهاد والكرامة.
إن العلاقة الصحيحة بالعبادة، القرآن، الجهاد، والصيام، هي الطريق لتحقيق الوقاية، الحصانة، والاستقامة للأمة.
خاتمة استراتيجية:
بهذا الخطاب، لا يهيئ السيد القائد يحفظه الله الأمة لاستقبال شهر فحسب، بل يهيئ الشهر ليصنع أمة قادرة على التغيير والموقف والجهاد والكرامة.
هي دعوة لتعميق الوعي، تجديد العلاقة بالله، الالتزام بالمسؤوليات، مقاومة الأعداء، وصناعة الأمة القادرة على التغيير.

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا