المقاصة: فيلم الرعب الفلسطيني والخروج الإسرائيلي عن النص
بقلم د. تيسير فتوح حجه ….
الأمين العام لحركة عدالة
لم تعد أموال المقاصة مجرد بند مالي في دفاتر الحسابات، بل تحوّلت إلى مشهدٍ متكرر من مشاهد الرعب التي يعيشها الشعب الفلسطيني، حيث تُستخدم لقمة عيش الموظف وحق المواطن في الخدمات الأساسية كورقة ابتزاز سياسي، في خروجٍ صارخ عن كل ما يفترض أن يحكم العلاقات والاتفاقيات الموقّعة.
إن ما تقوم به حكومة الاحتلال ممثلة بـ حكومة إسرائيل من اقتطاعات أو تأخير أو تجميد لأموال المقاصة، لا يمكن قراءته إلا باعتباره شكلاً من أشكال العقاب الجماعي، وخرقاً واضحاً للالتزامات المنبثقة عن اتفاقية أوسلو التي نظّمت العلاقة المالية والإدارية، وجعلت من تحويل هذه الأموال إجراءً فنياً لا سياسياً.
هذه السياسة لا تستهدف السلطة كمؤسسة فحسب، بل تصيب المجتمع الفلسطيني بأسره؛ فهي تضرب الاستقرار الاقتصادي، وتُضعف القدرة على تقديم الخدمات، وتُعمّق حالة الإحباط الشعبي، وتفتح الباب أمام مزيد من التوتر الاجتماعي والسياسي. إن تحويل المال إلى أداة ضغط ينسف أسس التعامل القانوني، ويكرّس واقع الهيمنة بدل الشراكة التي زُعم أنها قامت عليها الاتفاقيات.
ومن منظور حركة عدالة الاجتماعية العمالية المدنية الفلسطينية، فإن هذه الإجراءات تمثل اعتداءً مباشراً على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطن، وتستوجب موقفاً وطنياً جامعاً يتجاوز الانقسام والتردد. فلا يجوز أن يبقى الرد في إطار الشجب والاستنكار، بينما تستمر الوقائع على الأرض في التدهور. المطلوب رؤية عملية تعيد الاعتبار للاقتصاد الوطني، وتبني بدائل تخفف الارتهان، وتعزز صمود المجتمع.
إن مواجهة هذه السياسات لا تكون بخطابات موسمية، بل بإعادة بناء البيت الداخلي على أسس العدالة الاجتماعية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل أدوات القانون الدولي، وتحشيد الدعم العربي والدولي، وتكريس اقتصاد إنتاجي قادر على تقليل التبعية. فالمعركة هنا ليست مالية فقط، بل هي معركة كرامة وسيادة وحق شعب في إدارة موارده بعيداً عن الابتزاز.
ختاماً، سيبقى ملف المقاصة شاهداً على خلل عميق في ميزان العلاقة، وعلى الحاجة الملحّة لقرار وطني شجاع يعيد ترتيب الأولويات، ويضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، ويحوّل حالة التلقي إلى فعلٍ مؤثر قادر على حماية الحقوق وصون المستقبل.
الكاتب من فلسطين