إنتكاسة الفصائل الفلسطينية من الخندق إلى الفندق… والنوم في العسل لا موقف… لا حضور… لا جماهير

بقلم د. تيسير فتوح حجه  …..

الأمين العام لحركة عدالة الاجتماعية العمالية المدنية الفلسطينية
لم تعد أزمة الفصائل الفلسطينية مسألة تراجع عابر، بل باتت حالة انتكاسة سياسية وأخلاقية مكتملة الأركان. فصائل نشأت في الخنادق وتغذت على تضحيات الناس تحولت إلى كيانات تعيش في الفنادق، تدير المشهد من خلف الزجاج المعتم، وتكتفي ببيانات خاوية لا تسمن ولا تغني من وطن.
اليوم، لا يمكن تجميل الواقع:
لا موقف وطني جامع، لا حضور فعلي في الشارع، ولا قدرة على تحريك الجماهير. قيادات تتحدث باسم شعب لم تعد تسمع صوته، وتتصرف وكأن الشرعية صك ملكية أبدية، لا مسؤولية متجددة تُكتسب بالفعل والتضحية.
لقد أصبحت بعض الفصائل غارقة في “النوم في العسل” — امتيازات، حسابات نفوذ، وصراعات داخلية على فتات سلطة بلا سيادة — بينما الأرض تُلتهم، والحقوق تُصادر، والإنسان الفلسطيني يواجه مصيره وحيداً. أي مفارقة هذه؟ وأي انحدار وصلنا إليه عندما يصبح الحفاظ على المواقع أهم من الحفاظ على الوطن؟
إن أخطر ما في المشهد ليس ضعف الأداء فقط، بل فقدان الجرأة على الاعتراف بالفشل. فبدلاً من مراجعة حقيقية، نشهد إعادة إنتاج للخطاب ذاته، والوجوه ذاتها، والنهج ذاته، وكأن الزمن متوقف وكأن الناس لا ترى ولا تحاسب. لكن الحقيقة واضحة: الشارع لم يعد مقتنعاً، والثقة الشعبية تتآكل يوماً بعد يوم.
في حركة عدالة، نقولها بلا مواربة: استمرار هذا الواقع ليس مجرد خطأ سياسي، بل مساهمة مباشرة في تعميق الانقسام وإضعاف المشروع الوطني. المطلوب ليس ترقيعاً إعلامياً، بل زلزال إصلاح حقيقي — تجديد شرعيات، انتخابات شاملة، إعادة بناء المؤسسات على أساس خدمة المواطن لا خدمة النخب، وإعادة الاعتبار للعمل الشعبي والنقابي والاجتماعي.
القضية الفلسطينية ليست منصة بروتوكولية ولا وظيفة سياسية. إنها مسؤولية تاريخية، ومن يعجز عن حملها عليه أن يفسح الطريق لغيره. فالشعب الذي صنع الخنادق قادر على صناعة البديل، ولن يبقى أسير حالة الجمود إلى الأبد.
من الخندق إلى الفندق كانت رحلة سقوط، لكن العودة ممكنة — إن توفرت الإرادة — وإلا فإن التاريخ لن يرحم، والشعب لن يمنح تفويضاً دائماً لمن يكتفي بالمشاهدة من مقاعد الراحة.

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا