*🌙 رمضان.. ميعادُ الأرواح، ومحرابُ العدل، وموسمُ الصياغة الإنسانية*
*بقلم: أ.محمد البحر المحضار …* …..
*🏺 ميعاد الضيافة.. سؤال الاستعداد الوجودي*
ها قد أقبل رمضان؛
شهر الله الذي أظلّنا بظلال رحمته، وفتح لنا أبواب سماحته، ونادانا لنكون من أهله وخاصته.
هو الشهر الذي صدحت فيه النبوة مبشّرة: *«أيها الناس، إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة… هو شهرٌ دُعيتم فيه إلى ضيافة الله».*
*فأيُّ شرفٍ أسمى من أن يكون الإنسان ضيفاً على مائدة الرحمن؟*
إن رمضان ليس زمناً يُستهلك، بل زمن تحويلي يعيد ترتيب الكيان الإنساني من الداخل؛
هو لحظة انقلابٍ روحي، تنتقل فيها النفس من التشتت إلى التمركز، ومن ضجيج الاستهلاك إلى صفاء العبودية الواعية، ومن عبادة شكلية إلى عبادة منتجة تؤسس للضمير الرسالي.
> 💡 الفكرة المركزية: رمضان انتقال من الزمن العادي إلى الزمن المقدّس، ومن الإنسان المبعثر إلى الإنسان الموحّد الوجهة.
>
*⚖️ مراجعة الذات.. الصيام بناء الضمير لا مجرد إمساك*
رمضان محطة مراجعة شاملة، وعملية إعادة ضبط للفطرة.
الصيام في حقيقته ليس جوعاً وعطشاً، بل تربية للوعي، وكبحاً للنزعات، وبناءً لضميرٍ يقظٍ يستحي من الظلم قبل أن يُحاسَب عليه.
وقد رُوي عن سيدي الإمام الصادق (عليه السلام): *«إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك».*
فالصوم الكلي هو صوم الجوارح عن المعصية، والقلب عن الحقد، واللسان عن الأذى، بما يعكس المحراب السلوكي للعبادة.
إن جوهر الإمساك هو استشعار العدالة؛ ومن لم يوقظ الجوع في قلبه حسّ المسؤولية تجاه المستضعفين — في غزة وسائر بقاع الأرض — فقد أدرك صورة الصيام وغاب عنه معناه، وهو جوهر الضمير الرسالي.
> 🛡️ الفكرة المركزية: الصيام تأسيس لضميرٍ أخلاقي يرفض الظلم في النفس والمجتمع.
>
*📖 مأدبة القرآن.. من التلاوة إلى المنهج:*
في شهر القرآن، لا يجوز أن تتحول التلاوة إلى سباق أرقام.
قال تعالى: *«وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا».* فالترتيل حضورٌ عقلي، والتدبر مساءلةٌ فكرية، والعمل التزامٌ سلوكي.
فالقرآن ليس نصاً يُتلى في المحاريب فحسب، بل هو منهج حياة يُحمل إلى الواقع؛
في القرار الإداري، والموقف السياسي، والمعاملة اليومية، ويصنع صياغة إنسانية متكاملة تربط العبادة بالعدل والمجتمع.
> 🌟 الفكرة المركزية: القرآن في رمضان مشروع إصلاح شامل، لا طقس تعبدي منفصل عن الحياة.
>
*✨ محراب العرفان.. (الإخلاص بوصفه معيار القبول):*
رمضان معراج الروح؛ تتحول فيه الصلاة من أداءٍ شكلي إلى صلةٍ وجودية بالخالق.
روي عن سيدي أمير المؤمنين (عليه السلام): *«طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء».*
الإخلاص هو الحارس الذي يمنع التناقض البشع بين المحراب والسلوك؛
فمن صلّى بخشوع ثم ظلم عبداً، فقد ناقض المحراب السلوكي بواقعه.
إن الصيام كمسؤولية اجتماعية هو منظومة قيم تتجاوز الشعور العاطفي إلى الفعل المسؤول، وتحول العبادة إلى عبادة منتجة تربط الفرد بمصلحة المجموع.
*🚫 صرخة نقد.. (حماية قدسية الشهر من التفريغ)*
نضع النقاط على الحروف بنقدٍ مباشر لكل مظاهر الخلل التي تُفرغ رمضان من مضمونه، فحماية روح رمضان مسؤولية أخلاقية جماعية، تعكس التقوى المؤسسية في المجتمع:
*⏳ ضياع الوقت:*
سهرٌ فارغ يستهلك الليالي في القيل والقال، وضياع الساعات الثمينة بلا ذكرٍ ولا فكر.
*🎭 انفصام السلوك:*
صومٌ “بيولوجي” عن الطعام، وإفطارٌ “أخلاقي” على الغيبة والنميمة والحسد، مما يفصل العبادة عن أثرها السلوكي.
*📺 هيمنة الشاشات:*
استبدال المحراب بالشاشة، وتحويل وقت القيام إلى وقت للمشاهدة، والمناجاة بالانشغال في عالم الافتراض الذي يسرق حضور القلب.
*🛍️ حمّى الاستهلاك:*
تحويل شهر الزهد إلى شهر للتخمة، وإسراف وتفاخر في الموائد، وازدحام في الأسواق يغذيه جشع التجار برفع الأسعار.
*👩 إرهاق المرأة:*
أختزال دور المرأة في “المطبخ”، وتحميلها أعباءً مفرطة تستهلك طاقتها البدنية وتحرمها نصيبها الروحي، مع أن الهدي النبوي يقتضي أن يكون الرجل “في مهنة أهله”.
*📢 إيذاء الجار:*
ضجيجٌ ومكبرات صوت وأصوات صاخبة في الليالي تبدد سكينة الشهر وتؤذي المرضى، في تناقض صارخ مع قدسية الجيرة.
*💼 البطالة المقنعة باسم العبادة:*
التهرب من المسؤولية الوظيفية بذريعة التعب من الصيام، وتحويل المكاتب إلى أماكن للخمول، مما يعطل مصالح الناس ويضرب التقوى المؤسسية في مقتل.
*📈 المتاجرة بالقضايا (الاستثمار العاطفي):*
الاكتفاء بالبكائيات على المستضعفين دون تحويل الشعور إلى فعل ميداني أو مقاطعة اقتصادية، مما يجعل التعاطف مجرد تفريغ انفعالي.
*🕌 تحويل الجوهر إلى مظهر:*
الاهتمام بزخرفة المساجد والموائد أكثر من تزيين القلوب، وحصر الدين في طقوس حركية خالية من الروح والموقف.
*🌿 ارتهان الدواوين (مجالس القات):*
تحويل ليالي رمضان إلى جلسات “مضغ للقات” تمتد لساعات، في مجالس لهوٍ تستهلك الطاقة والوقت دون ذكرٍ أو طاعة.
*⚔️ عدوانية الصائم (زيف العذر):*
اتخاذ الصيام ذريعة للنزق والمشاحنات، حيث تتطور الخلافات التافهة إلى عراكٍ بالأيدي أو السلاح، في تشويهٍ لمعنى الصبر والسكينة.
*🏎️ التهور المروري وثقافة الاستعجال:*
القيادة بجنون بحجة “اللحاق بالإفطار”؛ وهي ثقافة دخيلة روّج لها الفكر الوهابي الذي قدّس “تعجيل الإفطار” حتى على حساب الأرواح، متجاهلين أن الصيام صون للنفس لا إهلاك لها.
*🚓 تعطيل مصالح الناس باسم “الدروس”:*
إيقاف عمل بعض أقسام الشرطة والجهات التنفيذية بحجة الاستماع للمحاضرات؛ وهذا ينافي حكمة التوجيهات، فالقيام بحقوق العباد هو صلب العبادة.
*🕌 انتهاك حرمة المساجد:*
تحويل بيوت الله إلى مقار للفوضى والضجيج والاجتماعات الصاخبة، أو جلب الأطعمة ذات الروائح الكريهة إليها، مما يطرد المصلين الباحثين عن الروحانية.
*🧨 إزعاج الألعاب النارية:*
إفراط الأطفال في استخدامها دون رقابة، بل وبتشجيع من أولياء الأمور أحياناً، مما يبدد هدوء الناس ويؤذي السكينة العامة.
*⚽ فوضى الأولويات:*
الاستغراق الكلي في البطولات الرياضية والترفيهية؛ فالترويح جميل، لكن تحويل رمضان إلى “موسم ألعاب” يُفرغ الشهر من جوهره كأهم محطة للصياغة الإنسانية.
*🚮 المخالفات والسلوك العشوائي:*
رمي المخلفات في غير أماكنها، وإلحاق الضرر بالجار، وخروج الباعة عن نطاق مواقعهم بما يسبب زحاماً مؤذياً واختناقات مرورية.
*💤 الهروب بالنوم:*
قتل نهار رمضان بالسبات الطويل تهرباً من مشقة الصيام، مما يُفقد الصائم فرصة التأمل والعمل والارتباط الفاعل بالحياة.
*🔥 بدعة إحراق الإطارات (الكفرات):*
ممارسة تلك العادة السيئة والقبيحة لاستقبال الشهر الكريم، وما يترتب عليها من تلوث بيئي ومخاطر صحية واجتماعية، وهي سلوكيات فوضوية تتنافى مع طهارة الشهر وقدسية الفطرة السليمة.
*💼 مسؤولية التطبيق.. (الدين أداء لا ادعاء).*
تتجدد في هذا الشهر الدروس والمحاضرات الرمضانية لسماحة السيد القائد، التي تؤكد مركزية القرآن والعدل.
غير أن العبرة ليست بكثرة الاستهلاك السمعي، بل بصدق الترجمة السلوكية لتلك المبادئ في ميادين العمل.
إن أخطر ما يواجه المجتمع هو تحول الوعي إلى ظاهرة صوتية، وهنا نؤكد:
* *🛠️ قدسية الخدمة:*
لا يصح شرعاً ولا أخلاقاً تعطيل مصالح الناس بحجة التفرغ للعبادة؛ فالقيام بحقوق العباد هو صلب العبادة.
* *🎯 التقوى المؤسسية:*
أداءٌ أمين للواجب قبل أن تكون خطاباً وعظياً؛ فالإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل والأداء، ويلمسه المواطن في نزاهة الموظف وسرعة إنجازه.
* *❌ رفض النفاق السلوكي:*
من يتخذ من الشعائر غطاءً للتقصير في واجبه الوظيفي فقد خان الأمانة.
*🌱 الثبات.. الاستمرار معيار النضج:*
رمضان ليس اندفاعة عاطفية عابرة، بل مسيرة ثبات.
كثيرون يبدأون بقوة ثم يتراجعون؛ والحقيقة أن الثبات هو الكرامة، وهو ثمرة الزمن التحويلي والوعي العميق لا الحماسة المؤقتة.
*🏁 خاتمة.. القرار الأخلاقي:*
رمضان هذا العام يجب أن
يكون فاصلاً؛
فاصلاً بين عبادة شكلية وعبادة تُنتج عدلاً.
رمضان هذا العام مفرق طريق؛ إما أن يكون معراجاً لصياغة إنسانية جديدة على نهج محمد وآل محمد، وإما أن يمرّ كعادةٍ عابرة تترك الموائد ممتلئة والقلوب فارغة.
العبرة بالخواتيم، والثبات معيار النضج، والصدق ميزانه الأثر.
*#أما_بعد …*
رمضان لله…
فلنكن فيه لله، بقلوب وعقلية الزمن التحويلي،
ويد تتحرك بأداء التقوى المؤسسية،
وضميرٍ رسالي لا يرى في العبادة إلا عدلاً واستقامة.
*#رفعت_الجلسة …*
*اللهم بلّغنا رمضان، وأعنّا على صيامه وقيامه، واجعل هذا الشهر لنا فتحاً في القلوب، ونوراً في الأرواح، وثباتاً في الطريق.*
*مدير مكتب التخطيط – م/شبوة*
*#البحر_المحضار …*
الكاتب من اليمن