فادي السمردلي يكتب: هل نريد فقراء مُعالين أم مواطنين منتجين؟
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
ليس السؤال استفزازيًا بقدر ما هو كاشف فهو سؤال يضع الدولة، ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية، أمام مرآة الحقيقة هل نحن فعلاً نسعى لإنهاء الفقر، أم نكتفي بإدارته وتدويره وتجميله بالأرقام والتقارير؟ لأن الفرق بين الخيارين ليس لغويًا ولا نظريًا، بل فرق في السياسات والقرارات والإرادة.
على مدى سنوات، جرى التعامل مع الفقر باعتباره حالة إنسانية تستوجب الإغاثة، لا أزمة اقتصادية تستوجب الحل فتم توسيع شبكات المساعدات، وتضخيم برامج الدعم، وتكريس صورة الأسرة الفقيرة كمتلقٍ دائم، لا كقوة كامنة يمكن تحويلها إلى منتجة زالنتيجة كانت واضحة أعداد الفقراء لم تنخفض، والاعتماد على الدولة ازداد، والقوة الاقتصادية تآكلت بصمت.
المساعدة الطارئة ضرورية، ولا خلاف على ذلك ولكن تحويلها إلى نمط دائم هو اعتراف غير معلن بفشل السياسات العامة فالدولة التي تكتفي بإيصال المعونة دون أن تفتح باب العمل، لا تحمي الفقير، بل تُبقيه عالقًا في دائرة العوز. الأسوأ من ذلك، أنها تقتل الدافع للإنتاج، وتحوّل الفقر إلى وضع مستقر، بل وموروث.
التمكين الاقتصادي ليس شعارًا فضفاضًا ولا مشروعًا تجميليًا فهو مسار متكامل يبدأ من التشريع، يمر بالرقابة، وينتهي بفرص حقيقية على الأرض فتمكين الأسرة يعني توفير أدوات العمل، لا مجرد سلال غذائية ويعني فتح باب التمويل المنتج، لا القروض الاستهلاكية الخانقة ويعني ربط الدعم بالتأهيل، وبناء المهارات، وبالسوق الفعلي لا بسوق وهمي تصنعه التقارير.
وهنا، لا يمكن القفز عن الدور الجوهري للسلطة التشريعية فغياب التشريعات الحازمة، أو الاكتفاء بدور رقابي خجول، يجعل أي حديث عن التمكين مجرد خطاب علاقات عامة فالبرلمان ليس منصة خطابية، بل أداة تغيير. دوره أن يفرض أولويات واضحة على الحكومة، وأن يحاسبها على النتائج لا على النوايا، وأن يرفض سياسات تُنفق المال العام على إدارة الفقر بدل إنهائه.
في المقابل، تتحمل الحكومة مسؤولية لا تقل خطورة فالتعاون الجاد لا يعني تبادل البيانات، بل إعادة ترتيب الأولويات فلا يعقل أن تبقى مشاريع إنتاجية صغيرة حبيسة الأدراج، بينما تُضخ الملايين في برامج دعم لا تُخرج أسرة واحدة من دائرة الفقر بشكل مستدام ولا يعقل أن تُصمَّم سياسات اقتصادية بمعزل عن الواقع الاجتماعي، ثم نلوم الفقراء لأنهم “غير مندمجين”.
القضية في جوهرها قضية قرار سياسي فالموارد المحدودة ليست العائق الحقيقي، بل كيفية استخدامها فحين تُوجَّه الموارد نحو بناء الإنسان المنتج، تتحول من عبىء إلى استثمار. وحين تُهدر في تهدئة مؤقتة للأزمات، تتحول إلى كلفة دائمة بلا عائد.
الانتقال من عقلية الإعالة إلى عقلية التمكين يتطلب شجاعة فشجاعة الاعتراف بأن بعض السياسات فشلت، وأن بعض البرامج استُهلكت سياسيًا دون أن تُثمر اقتصاديًا ويتطلب أيضًا وضوحًا أخلاقيًا فالفقير لا يحتاج شفقة، بل فرصة ولا يحتاج خطابًا عاطفيًا، بل نظامًا عادلًا يفتح له باب العمل ويحميه بقانون.
في النهاية، السؤال يبقى قائمًا هل نريد فقراء مُعالين نُحصيهم في التقارير، أم مواطنين منتجين نبني بهم الاقتصاد؟ الإجابة لا تُكتب في مقال، بل تُصاغ في تشريع، وتُثبت في رقابة، وتُترجم في سياسات شجاعة وكل تأخير في الإجابة هو قرار ضمني بالإبقاء على الفقر كما هو… وربما أعمق.
الكاتب من الأردن