فادي السمردلي يكتب: المنطقة تُعاد صياغتها… فأين المشروع العربي؟

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

#اسمع_وافهم_الوطني_أفعال_لا_أقوال

المنطقة لا تُعاد صياغتها على الورق فحسب، بل على الأرض أيضًا وفي الموانئ والمضائق، وفي الفضاء السيبراني، وفي غرف القرار الكبرى فهناك من يتحرك وفق استراتيجية طويلة النفس، يعرف أين يضع ثقله وكيف يراكم نفوذه وأمّا العالم العربي، فرغم ما يملكه من موقع جغرافي وثروات وقوة بشرية هائلة، فما زال يتعامل مع التحولات بعقلية ردّ الفعل والان السؤال لم يعد مؤجَّلًا بما ان الجغرافيا العربية قلب المنطقة، فلماذا لا يكون للعرب مشروع يفرض كلمتهم وموقفهم الموحّد؟

يبدأ المشروع العربي بتحديد المصالح المشتركة بوضوح لا لبس فيه فالأمن القومي، بمفهومه الشامل، هو الركيزة الأولى فلم يعد ممكنًا اختزال الأمن في حدود مرسومة على الخريطة، بينما الأخطار تتسلل عبر الاقتصاد والتقنية والمعلومات فالأمن الغذائي والمائي، وأمن الطاقة، والأمن الرقمي، كلها أبعاد لمعركة واحدة عنوانها السيادة والتحدي الحقيقي أن هذه الملفات مترابطة، ولا يمكن لأي دولة أن تعالجها منفردة بكفاءة كاملة لذا لم يعد التنسيق العربي ترفًا، بل شرط بقاء.

اقتصاديًا، لا معنى للحديث عن نفوذ سياسي بلا قاعدة إنتاجية صلبة فالمنطقة العربية تملك فائضًا ماليًا في بعض أجزائها، وموارد طبيعية هائلة في أجزاء أخرى، وقوة بشرية شابة في معظمها غير أن هذه العناصر لا تتحول تلقائيًا إلى قوة فالمشروع العربي يجب أن يؤسس لسوق متكاملة حقيقية، تتدفق فيها السلع والاستثمارات بلا عراقيل مصطنعة فمشاريع الربط الكهربائي، وشبكات النقل المشتركة، والمناطق الصناعية العابرة للحدود، ليست تفاصيل فنية، بل أعمدة لاستقلال القرار وعندما تتكامل المصالح الاقتصادية، يصبح الانقسام مكلفًا، وتغدو الوحدة مربحة.

غير أن أي مشروع جاد سيبقى ناقصًا إن لم يضع محور الدفاع المشترك في قلبه فالمنطقة من أكثر مناطق العالم تعرضًا للصراعات، المباشرة وغير المباشرة، والتهديدات لم تعد تقليدية فحسب فهناك حروب بالوكالة، وجماعات مسلحة عابرة للحدود، وهجمات سيبرانية، وابتزاز سياسي عبر أدوات اقتصادية وفي ظل هذا الواقع، لا يكفي أن تحمي كل دولة نفسها منفردة لأن الخطر الذي يصيب طرفًا قد يمتد إلى الجميع.

الدفاع المشترك لا يعني بالضرورة ذوبان الجيوش الوطنية في كيان واحد، لكنه يتطلب حدًا أدنى من التنسيق الاستراتيجي الحقيقي فأولى الخطوات هي بناء عقيدة دفاعية عربية واضحة، تُعرّف مصادر التهديد وتحدد آليات الاستجابة، ثم إنشاء آليات للتخطيط العسكري المشترك، وتبادل المعلومات الاستخباراتية بصورة مؤسسية، وتطوير قدرات إنذار مبكر تغطي الفضائين البحري والجوي، إضافة إلى الفضاء السيبراني الذي أصبح ساحة حرب قائمة بذاتها.

كما أن توحيد جزء من منظومات التسليح والتدريب سيقلل الكلفة ويرفع الكفاءة فبدلًا من الاعتماد الكامل على الخارج في كل صغيرة وكبيرة، يمكن إطلاق صناعات دفاعية عربية مشتركة تستفيد من الخبرات المتنوعة ورؤوس الأموال المتاحة وهذا لا يحقق الاكتفاء الكامل فورًا، لكنه يضع أساسًا لاستقلال تدريجي في القرار العسكري فالسيادة لا تكتمل إذا كان سلاحك وقطع غياره وقراره التقني مرهونًا بإرادة غيرك.

ويجب أن يمتد الدفاع المشترك إلى حماية الممرات البحرية الاستراتيجية التي تمر عبرها التجارة والطاقة فهذه الممرات ليست شأنًا محليًا لدولة بعينها، بل شريانًا حيويًا للاقتصاد العربي والعالمي فوجود تنسيق بحري عربي، وتدريبات مشتركة منتظمة، وقوة جاهزة للتحرك السريع عند الأزمات، يبعث برسالة واضحة بأن الأمن الإقليمي ليس ساحة مفتوحة لمن يريد اختبار نفوذه.

لكن القوة العسكرية وحدها لا تصنع مشروعًا فهي جزء من منظومة أوسع تشمل السياسة والاقتصاد والثقافة والموقف العربي الموحّد في القضايا المصيرية يمنح أي تحرك دفاعي غطاءً سياسيًا وأخلاقيًا فحين تتحدث الدول العربية بصوت واحد في المحافل الدولية، وتربط خطابها بقدرة فعلية على حماية مصالحها، يتحول الصوت إلى وزن حقيقي في معادلات القوة.

المشروع العربي ليس حلمًا طوباويًا، بل استجابة واقعية لمرحلة لا ترحم المترددين والبديل واضح بقاء كل دولة في عزلة نسبية، تبحث عن مظلة خارجية تحميها، وتدفع ثمن الحماية سياسيًا واقتصاديًا أمّا الخيار الآخر، فهو بناء مظلة عربية تدريجية وعقلانية، تنطلق من المصالح المشتركة لا من العواطف.

إن المنطقة تُعاد صياغتها الآن، وهذه لحظة فاصلة إما أن يدخل العرب هذه المرحلة بمشروع متكامل يربط الاقتصاد بالدفاع بالمعرفة، ويؤسس لكلمة موحدة وموقف صلب، وإما أن يكتفوا بدور المتفرج على خرائط تُرسم فوق أرضهم فالمستقبل لا ينتظر، ومن لا يشارك في كتابته سيقرأه مكتوبًا بيد غيره.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا