يوم الفرقان: المحطة الفارقة والاستراتيجية الثابتة في مواجهة الطغيان والاستكبار

طوفان الجنيد …..

يمثل يوم الفرقان (غزوة بدر) في وجدان الأمة الإسلامية والتاريخ السياسي المتجذر والمستمر في دائرة الصراع بين الحق والباطل، واستراتيجية المواجهة بين القوى المستضعفة والقوى المستكبرة. ففي ذلك اليوم، تكسرت قاعدة التفوق العددي والمادي أمام قوة الإرادة ووضوح الهدف، مما أسس لمنهجية عابرة للأزمان في كيفية إدارة الصراع الوجودي.
أولاً: فلسفة “الفرقان” كقاعدة استراتيجية:
يكمن جوهر “الفرقان” في الفصل الحاسم بين معسكرين: معسكر الشر والطغيان، الذي يرتكز على الهيمنة والاستعباد والغطرسة، ومعسكر الحق، الذي يرتكز على الحق الإلهي والإنساني، والقيم الأصيلة للعدالة والمساواة والحرية والاستقلال، النابعة من الدين الإسلامي الحنيف.
وتقوم هذه الاستراتيجية على ثلاثة أعمدة رئيسية:
المبادرة بدلاً من الانتظار: أي الجهاد في سبيل الله، والتصدي والرفض، وتغيير موازين القوى.
وحدة القيادة والقرار: التلاحم بين القاعدة والقيادة، وتنفيذًا لتوجيهات الله في الكتاب الحكيم.
تحويل الضعف المادي إلى قوة نوعية: المنبثق من قوله تعالى: { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اَ۪سْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ اِ۬لْخَيْلِۖ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ اَ۬للَّهِ وَعَدُوَّكُمْ }
[سُورَةُ الأَنفَالِ: ٦١]
واستثمار العوامل المعنوية والبيئية والمكانية لتعويض النقص في العتاد.
ثانياً: الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران (قراءة في النموذج):
عند إسقاط مفهوم “الفرقان” على الصراع المعاصر، نجد أن الحرب العدوانية التي يشنها تحالف الشيطان الأمريكي الصهيوني وأدواته، ومحاولتهم فرض الهيمنة والاستكبار، وارتكاب المجازر والمذابح في المنطقة العربية، ومحاربتهم للقيم الإنسانية والأمة الإسلامية بشتى أنواع الحروب: الاقتصادية والفكرية والسياسية والعسكرية، وما نشاهده اليوم من اعتداء غاشم على الشعب الإيراني واللبناني والفلسطيني والسوري واليمني ومعظم دول المنطقة، يمثل نموذجًا للاشتباك بين “الهيمنة العالمية” و”إرادة الاستقلال”.
1- صراع الإرادات والمواجهة الاستراتيجية
كما كان “يوم الفرقان” نقطة تحول لكسر هيبة قريش، فإن الصمود أمام العقوبات القصوى والاستهدافات العسكرية يهدف إلى كسر “هيبة الهيمنة” الأمريكية. الاستراتيجية الإيرانية هنا تحاكي روح الفرقان من خلال:
الاعتماد على الذات: تحويل الحصار إلى فرصة لبناء قاعدة تصنيع عسكري وتكنولوجي مستقلة.
توزيع وحدة الساحات: تكوين محور مقاومة واحد لتشتت تركيز العدو واستنزاف قدراته العسكرية والمادية التي يتفوق بها.
2- المواجهة المبدئية مقابل البراجماتية الاستعمارية
تعتمد الرؤية الأمريكية الصهيونية على “تفكيك” الأمة من الداخل عبر الضغط المعيشي وإثارة الفتن. في المقابل، تبرز استراتيجية “الفرقان” في الحفاظ على الثوابت.
فالموقف من القضية الفلسطينية، على سبيل المثال، يمثل “فرقانًا” يميز بين من يسير في ركب التطبيع والتبعية، وبين من يختار المواجهة كخيار استراتيجي طويل الأمد.
ثالثاً: الدروس المستفادة للمستقبل:
إن التحول من “الموقف السلبي” إلى “الموقف الفاعل” هو الدرس الأكبر من يوم الفرقان. فالحرب الراهنة تثبت أن:
التكنولوجيا ليست كل شيء: رغم التفوق التقني الهائل للترسانة الأمريكية والصهيونية، إلا أن المقاتل ذو العقيدة الراسخة والقيادة الواعية قادر على خلق “توازن رعب” يمنع العدو من تحقيق أهدافه السياسية.
التلاحم الشعبي هو الحصن: نصر يوم الفرقان كان نتاج تلاحم المهاجرين والأنصار، واليوم، فإن صمود أي دولة أو حركة مقاومة يعتمد بالدرجة الأولى على تماسك جبهتها الداخلية وإيمانها بعدالة قضيتها.
وفي خطاب متلفز لقائد الثورة، السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي حفظه الله، بالمناسبة، وضع النقاط على الحروف وربط الأحداث التاريخية بما يحدث اليوم، وأكد على الموقف اليمني الثابت تجاه قضية فلسطين وكل قضايا الأمة الإسلامية، ومنها العدوان الغاشم على لبنان وإيران.
وقال إن اليد على الزناد ومستعد لكل التطورات القادمة، ودعا الشعب اليمني إلى الخروج المليوني إلى الساحات تحت شعار يوم الفرقان والوقوف إلى جانب إيران.
ختامًا:
يبقى يوم الفرقان محطة ملهمة تؤكد أن قوانين التاريخ لا تحابي أحدًا، وأن النصر ليس حكرًا على الأقوى مادياً، بل هو حليف الأقدر على الصبر، والأكثر وعياً بمتغيرات الميدان، والأصدق انحيازًا لقضايا الأمة الكبرى. إن ما نراه اليوم من تجاذبات دولية وصراعات كبرى ما هو إلا امتداد لتلك المدرسة التي علمتنا أن “الحق يحتاج إلى قوة تحميه”، وأن الفرقان قرار قبل أن يكون قدراً.

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا