فادي السمردلي يكتب : في الحروب… لا يقاتل أحد لأجل أحد
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*
من أكثر الأوهام انتشاراً في عالم السياسة أن يصدق الناس أن الحروب تُخاض دفاعاً عن الآخرين، أو نصرةً لقضايا بعيدة، أو وفاءً لتحالفات أخلاقية فهذا الوهم يتكرر في كل زمان، وتُعاد صياغته بشعارات مختلفة، لكنه يظل وهماً في النهاية فالحقيقة القاسية التي يعرفها من يقرأ التاريخ جيداً هي أن الحروب لا تُخاض إلا من أجل المصالح، لا أكثر ولا أقل.
في عالم السياسة لا توجد صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة، بل توجد مصالح دائمة فهذه قاعدة قديمة بقدر قدم الصراعات بين الدول فقد تتبدل الخطابات، وتتغير الشعارات، وتُرفع عناوين براقة عن القيم والمبادئ، لكن خلف كل ذلك تقف حسابات باردة من يكسب؟ ومن يخسر؟ ومن يسيطر؟ ومن يوسع نفوذه؟
الدول لا ترسل جيوشها إلى ميادين القتال بدافع العاطفة فلا أحد يضحي بالمال والدم والاقتصاد والاستقرار من أجل عيون الآخرين فهذه ليست طريقة عمل الدول، ولم تكن كذلك في أي مرحلة من التاريخ فالدول تتحرك عندما تشعر أن مصالحها مهددة، أو عندما ترى فرصة لتوسيع نفوذها، أو عندما تختل موازين القوة فتبدأ معركة إعادة توزيع الحصص.
كثير من الحروب التي نشهدها في العالم اليوم ليست سوى صراعات بين أطراف كانت بالأمس شركاء في تقاسم النفوذ فشركاء الأمس يتحولون إلى خصوم اليوم عندما تتغير المعادلة فما كان مقبولاً بالأمس يصبح مرفوضاً اليوم، وما كان تسوية مؤقتة يتحول إلى صراع مفتوح عندما يشعر أحد الأطراف أنه يستحق حصة أكبر. عندها تبدأ الحروب.
ليست المشكلة أن المصالح تحكم السياسة فهذه حقيقة معروفة المشكلة أن بعض الشعوب تُدفع إلى تصديق أن هذه الحروب تُخاض من أجلها، أو دفاعاً عنها، أو نصرةً لقضاياها فيتم تزيين الصراع بخطابات عاطفية، وتُضخ مشاعر الغضب والحماسة، بينما تبقى الحقيقة الصلبة مخفية خلف الضجيج الجميع يقاتل من أجل نفسه.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنجر الشعوب خلف معارك ليست معاركها، أو أن تُدفع إلى الاصطفاف في صراعات لا تخدم مصالحها فالدول الكبرى قادرة دائماً على إعادة ترتيب تحالفاتها عندما تتغير الظروف، لكنها لا تتحمل نتائج الفوضى التي قد تتركها في مناطق أخرى.
التاريخ مليء بالأمثلة فتحالفات كانت تبدو صلبة تفككت خلال سنوات قليلة، وخصومات شرسة تحولت لاحقاً إلى شراكات فالعناوين تتغير بسرعة، لكن جوهر اللعبة يبقى واحداً النفوذ والمصالح.
وفي منطقتنا تحديداً، حيث تتقاطع المشاريع الكبرى وتتصادم الحسابات الإقليمية والدولية، يصبح من الضروري قراءة المشهد بوعي بعيداً عن الانفعال فالعالم لا يعمل بمنطق العاطفة، بل بمنطق القوة والمصلحة. ومن لا يدرك هذه الحقيقة يدفع الثمن.
لهذا السبب يجب أن تكون البوصلة واضحة فالاصطفاف الحقيقي ليس خلف الشعارات العابرة، ولا خلف صراعات الآخرين، بل خلف الوطن أولاً فالوطن هو الحقيقة الوحيدة التي لا يجوز المساومة عليها فأمنه واستقراره ومستقبله هي الأولوية التي يجب أن تتقدم على كل شيء.
عندما تضطرب المنطقة وتعلو أصوات الحروب وتتبدل التحالفات، يصبح الحفاظ على استقرار الوطن هو المعركة الأهم فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالحكمة، ولا تُحمى بالاندفاع، بل بقراءة دقيقة للمشهد.
الانحياز الطبيعي في مثل هذه اللحظات يجب أن يكون واضحاً وصريحاً مع الوطن، مع قيادته، ومع مؤسساته التي تحمي استقراره وتصون أمنه فهذه هي الجبهة الحقيقية التي تستحق الالتفاف حولها.
قد تستمر الصراعات في المنطقة، وقد تتغير التحالفات مرات عديدة، وقد يعاد رسم الكثير من خرائط النفوذ ولكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن الدول التي تحافظ على تماسكها الداخلي هي التي تنجو من العواصف.
أما الذين يعتقدون أن أحداً سيقاتل نيابةً عنهم، أو سيدفع ثمن استقرارهم، فهم يعيشون في وهم خطير ففي هذا العالم القاسي كل دولة تقاتل من أجل نفسها، وتحمي مصالحها بنفسها.
لهذا تبقى الحقيقة الأكثر وضوحاً في الحروب… لا يقاتل أحد من أجل أحد. ويبقى الأمل والدعاء أن يحفظ الله الأردن والعرب من شر الصراعات، وأن ينعم عليهم نعمة الأمن والأمان، فهي النعمة التي لا يدرك قيمتها إلا من فقدها.
الكاتب من الأردن