عندما يتحرك الملك… تتحرك الجغرافيا ويصمت المترددون
محي الدين غنيم …..
في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات وتضيق فيه مساحات الحكمة، لا تكون التحركات السياسية مجرد زيارات بروتوكولية عابرة، بل تتحول إلى رسائل حاسمة تقرأ بين السطور قبل العناوين. هكذا جاءت جولة جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين إلى دول الخليج كتحركٍ استراتيجيٍ محسوب في لحظة إقليمية مشتعلة، تنذر بانفجارات أكبر إذا تُركت دون عقلٍ يوازن وقرارٍ يردع.
لم يكن المشهد عاديا… المنطقة تقف على حافة توتر غير مسبوق، صواريخ تطلق، ومسيرات تحلق، وخطاب سياسي يتجه نحو التصعيد لا التهدئة. وسط هذا الضجيج، اختار الأردن أن يتحرك لا أن ينتظر. اختار أن يكون في قلب الفعل، لا على هامش ردّات الفعل.
جولة جلالة الملك إلى الخليج لم تكن مجاملة دبلوماسية، بل إعلان واضح أن أمن المنطقة كل لا يتجزأ، وأن أي تهديد لدول الخليج هو تهديد مباشر للأردن، والعكس صحيح. إنها رسالة صريحة بأن زمن العمل الفردي قد انتهى، وأن المرحلة تتطلب جبهة عربية متماسكة، لا أصواتًا متفرقة تذروها رياح المصالح الضيقة.
الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة يدرك أن الحروب لا تبدأ فجأة، بل تبنى تدريجيًا من تراكم الصمت والتردد. لذلك جاء التحرك الملكي ليكسر هذا الصمت، وليضع الجميع أمام مسؤولياتهم: إما شراكة حقيقية في حماية الاستقرار، أو ترك المنطقة لمصير مفتوح على الفوضى.
وفي عمق هذا التحرك، يظهر الدور الأردني كما اعتاده الجميع: صوت العقل في زمن الانفعال، ووسيط التوازن في منطقة تختل فيها الموازين بسرعة. لم يسعَ الأردن يومًا إلى التصعيد، لكنه في الوقت ذاته لا يقبل أن يكون متفرجًا على مشهد يُهدد أمنه وأمن أشقائه.
أما اقتصاديا، فإن الزيارة تحمل بعدًا لا يقل أهمية، فتعزيز الشراكات مع دول الخليج ليس رفاهية، بل ضرورة في ظل عالم تتداخل فيه السياسة مع الاقتصاد بشكل غير مسبوق. الأردن يسعى إلى تثبيت موقعه كشريك موثوق، قادر على الصمود والتكيف، لا كدولة تنتظر المساعدات بقدر ما تبحث عن التكامل.
لكن الرسالة الأهم في هذه الجولة تتجاوز السياسة والاقتصاد، لتصل إلى عمق المعادلة الإقليمية : أن هناك من لا يزال يؤمن بأن العرب قادرون على صياغة موقفهم بأنفسهم، بعيدا عن الإملاءات والضغوط.
في لحظةٍ يختلط فيها الضباب بالبارود، جاء التحرك الملكي ليقول بوضوح:
إن الحكمة لا تزال ممكنة وإن القرار العربي لا يزال حيًا… متى ما وُجدت إرادة تقوده.
هكذا يتحرك القادة الحقيقيون…
لا ينتظرون العاصفة، بل يذهبون إليها… ليمنعوا وقوعها.
الكاتب من الأردن