فادي السمردلي يكتب: الضمان الاختياري تحت الضغط… انسحابات تتزايد

بقلم فادي زواد السمردلي  ……

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

 

لم يعد ما يحدث داخل منظومة الضمان الاجتماعي في الأردن مجرد أرقام تُنشر في تقارير رسمية أو تصريحات عابرة فما يجري اليوم أقرب إلى رسالة واضحة من آلاف المشتركين الاختياريين القلق أكبر من القدرة على الاستمرار، والثقة لم تعد كما كانت بعد مشروع القانون الجديد.

خلال فترة قصيرة، اختار آلاف الأردنيين الانسحاب من الاشتراك الاختياري وهذا القرار ليس تفصيلاً صغيرًا، ولا يمكن تفسيره بسهولة بأنه “ظرف مؤقت” أو “سلوك فردي”. نحن أمام ظاهرة جماعية تستحق التوقف، لأن من ينسحب من الضمان لا يغامر فقط بحقه المستقبلي، بل يعلن بشكل غير مباشر أنه لم يعد يشعر بالأمان داخل هذا النظام.

المشكلة ليست في فكرة الضمان بحد ذاتها فالجميع يدرك أهمية وجود مظلة تحمي الإنسان عند التقاعد أو العجز ولكن ما تغيّر هو شعور الناس تجاه هذه المظلة فهناك إحساس متزايد بأن القواعد قد تتغير في أي لحظة، وأن ما يدفعه المشترك اليوم قد لا يعود عليه بنفس الصورة التي كان يتوقعها غدًا.

التعديلات المطروحة على قانون الضمان الاجتماعي لعبت دورًا واضحًا في هذا المشهد وحتى قبل أن تُطبق فعليًا، خلقت حالة من الترقب المشوب بالخوف فالناس لا تحب الغموض، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمدخرات العمر فعندما يسمع المشترك عن تغييرات محتملة تمس سن التقاعد، أو آلية احتساب الرواتب، أو شروط الاستحقاق، يبدأ فورًا بإعادة حساباته فالبعض ينتظر، والبعض الآخر لا يريد المخاطرة أصلًا.

المشترك الاختياري تحديدًا هو الفئة الأكثر حساسية فهذا الشخص يدفع من جيبه مباشرة، دون وجود صاحب عمل يشاركه العبىء فهو يقتطع من دخله المحدود، غالبًا على أمل ضمان مستقبل أكثر استقرارًا وعندما يشعر أن هذا المستقبل أصبح ضبابيًا، فإن أول رد فعل منطقي بالنسبة له هو التوقف.

هناك أيضًا عامل اقتصادي لا يمكن تجاهله. الظروف المعيشية ليست سهلة، والدخل لدى كثير من الناس لم يعد يكفي لتغطية الأساسيات ففي مثل هذه الحالة، يصبح الاشتراك الاختياري عبئًا إضافيًا وعندما يترافق هذا العبىء مع شكوك حول جدواه، تصبح المعادلة محسومة الانسحاب هو الخيار الأسهل.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في عدد المنسحبين، بل في الرسالة التي يحملها هذا الانسحاب فعندما تبدأ فئة بالانسحاب، فإنها تؤثر على فئات أخرى والقلق ينتقل بسرعة، والثقة عندما تهتز يصعب استعادتها وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد نجد أنفسنا أمام مشكلة أكبر من مجرد تراجع في أعداد المشتركين.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن هل يتم التعامل مع هذه المؤشرات بجدية كافية؟ أم أنها ستُقرأ كأرقام عابرة يمكن تجاوزها؟ تجاهل هذه الإشارات قد يكون مكلفًا فالمطلوب ليس فقط توضيح التعديلات، بل إعادة بناء الثقة، وهذا لا يحدث بالتصريحات العامة، بل بالشفافية الكاملة.

الناس تريد إجابات واضحة ماذا سيتغير؟ كيف سيتأثر المشترك الحالي؟ وهل ما يدفعه اليوم سيحفظ حقه غدًا؟ بدون هذه الإجابات، ستبقى حالة القلق قائمة، وربما تتوسع.

في النهاية، الضمان الاجتماعي ليس مجرد مؤسسة، بل عقد ثقة بين الدولة والمواطن.وعندما يبدأ هذا العقد بالتصدع، لا يكفي إصلاحه على الورق فالمطلوب استعادة الإحساس بالأمان، لأن الأرقام قد تُعالج، لكن الثقة إذا فُقدت، فاستعادتها أصعب بكثير.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا