فادي السمردلي يكتب: اقتصاد الحروب كيف يقود الصراع مع إيران العالم نحو التضخم؟
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
تشكل الحروب، تاريخياً، واحدة من أبرز المحركات غير المتوقعة للتحولات الاقتصادية العالمية، إذ لا تقتصر آثارها على حدود الجغرافيا السياسية، بل تمتد لتطال بنية الأسواق والأنماط الاستهلاكية وسلاسل الإمداد الدولية وفي سياق تصعيد الحرب بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تتعاظم هذه التأثيرات نظراً للموقع الاستراتيجي الذي تحتله في قلب منظومة الطاقة العالمية، خاصة قرب مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً لتدفق النفط والغاز.
من منظور اقتصادي بحت، يبدأ الأثر الأولي لأي صراع عسكري في هذه المنطقة من أسواق الطاقة فالنفط، بوصفه سلعة استراتيجية، يتأثر بشكل مباشر بعوامل المخاطر الجيوسياسية وعند تصاعد التوتر، لا تنتظر الأسواق حدوث انقطاع فعلي في الإمدادات، بل تستجيب فوراً عبر رفع الأسعار استناداً إلى ما يُعرف بـ”علاوة المخاطر” وهذه الزيادة السريعة تنعكس بدورها على تكلفة الإنتاج والنقل، ما يؤدي إلى انتقال الضغوط التضخمية إلى مختلف القطاعات الاقتصادية.
التضخم الناتج عن صدمات الطاقة يُعد من أكثر أنواع التضخم تعقيداً، لأنه يجمع بين كونه تضخماً مدفوعاً بالتكاليف وبين تأثيراته الواسعة على الطلب الكلي فعندما ترتفع أسعار الوقود، ترتفع معها تكاليف تشغيل المصانع، وأسعار الشحن، وحتى كلفة الخدمات الأساسية وبمرور الوقت، يبدأ المستهلك في الشعور بتآكل قدرته الشرائية، ما يؤدي إلى تغير في أنماط الاستهلاك، وربما إلى تباطؤ اقتصادي في حال استمر هذا الوضع لفترة طويلة.
إلى جانب ذلك، تلعب سلاسل التوريد العالمية دوراً محورياً في تضخيم أثر الصراع. فالتوترات العسكرية في مناطق حساسة تؤدي إلى إعادة توجيه خطوط الشحن، وارتفاع تكاليف التأمين البحري، وتأخير تسليم البضائع وهذه العوامل مجتمعة تسهم في خلق اختناقات في العرض، مما يعزز من الضغوط السعرية، خاصة في السلع الأساسية مثل الغذاء والمواد الخام.
أما على مستوى الأسواق المالية، فإن حالة عدم اليقين المصاحبة للحروب تدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم محافظهم الاستثمارية وعادة ما نشهد في مثل هذه الظروف خروجاً لرؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، وتوجهاً نحو الأصول الآمنة كالذهب والسندات الحكومية. هذا التحول لا يؤثر فقط على أسعار الأصول، بل يمتد ليؤثر على أسعار الصرف وتكاليف الاقتراض، مما يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي، خاصة في الدول ذات الهشاشة المالية.
في هذا الإطار، تبدو الدول المستوردة للطاقة، مثل الأردن، أكثر عرضة لتداعيات هذا النوع من الصدمات فارتفاع أسعار النفط يترجم مباشرة إلى زيادة في فاتورة الاستيراد، مما يضغط على الميزان التجاري، ويزيد من أعباء الموازنة العامة كما أن انتقال التضخم العالمي إلى السوق المحلي يضع صانع القرار أمام معادلة صعبة بين احتواء الأسعار والحفاظ على الاستقرار المالي.
السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في إطالة أمد الصراع، حيث تتحول الصدمة المؤقتة إلى حالة هيكلية من التضخم المرتفع ففي هذه الحالة، قد تضطر البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة لكبح جماح التضخم، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى إبطاء النمو الاقتصادي، وربما الدخول في حالة ركود تضخمي وهي من أصعب الحالات التي تواجه السياسات الاقتصادية.
في المحصلة، يتضح أن الصراع مع إيران لا يمكن قراءته فقط من زاوية عسكرية أو سياسية، بل يجب فهمه كعامل اقتصادي ضاغط يعيد تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي فالحروب الحديثة، في ظل ترابط الأسواق، لم تعد أحداثاً محلية، بل صدمات عالمية تنتقل بسرعة عبر قنوات الطاقة والتجارة والمال، لتصيب في النهاية المستهلك العادي، الذي يجد نفسه يدفع ثمن صراع لم يكن طرفاً فيه.
الكاتب من الأردن