جنون سحب الجنسيات … عبث بالنسيج الوطني وتجاوز لهيبة الدولة
محي الدين غنيم ….
في مشهد يثير القلق أكثر مما يثير الاستغراب، تعلو بين الحين والآخر أصوات نشاز تدّعي الوطنية زورًا، لتطالب بسحب الجنسيات الأردنية من مواطنين على أساس أصولهم أو توقيت حصولهم عليها، وكأن الوطن ملكية خاصة تُوزّع وتُسحب وفق الأهواء والانفعالات السياسية. وآخر هذه الفصول ما سُمّي بـ”بيان شعبي” يطالب بسحب كافة الجنسيات التي مُنحت بعد فك الارتباط، في طرح لا يستند إلى قانون، ولا يحترم دولة، ولا يراعي خطورة العبث بالهوية الوطنية.
إن هذه الدعوات ليست فقط مرفوضة، بل تمثل اعتداءً صارخًا على أسس الدولة الأردنية التي قامت على سيادة القانون، والمؤسسات، والشرعية الدستورية. فمسألة الجنسية ليست لعبة سياسية، ولا أداة للابتزاز أو التصنيف، بل هي حق قانوني وسيادي تحكمه نصوص واضحة، وقرارات عليا، لا تُتخذ في الشوارع ولا عبر البيانات الشعبوية.
الأخطر من ذلك، أن هذه الأصوات تتجاوز بشكل فاضح صلاحيات رأس الدولة، وتضع نفسها في موقع الوصاية على قرارات سيادية حصرية، وكأنها تنصّب نفسها بديلًا عن مؤسسات الدولة، أو شريكًا في اتخاذ القرار. وهذا بحد ذاته ليس مجرد خطأ، بل انزلاق خطير نحو الفوضى وتقويض هيبة الدولة.
ثم، ماذا يعني سحب الجنسيات؟ هل يدرك هؤلاء أنهم يلعبون بالنار؟ إن مثل هذه الطروحات تضرب في عمق الوحدة الوطنية، وتفتح أبواب الفتنة بين أبناء الشعب الواحد، وتعيد إنتاج خطاب الإقصاء والتخوين الذي لا يخدم إلا أعداء الوطن. فالأردن لم يكن يومًا دولة إقصاء، بل كان نموذجًا في التماسك، والتعايش، والانتماء المشترك.
إن الأردنيين، بمختلف أصولهم ومنابتهم، يشكلون نسيجًا وطنيًا واحدًا، لا يُختزل في أرقام أو تواريخ، ولا يُفرّق بينهم خطاب متوتر أو بيان طائش. ومن يحاول زرع الشقاق بينهم، إنما يطعن الوطن في خاصرته.
إن المرحلة الراهنة، بما تحمله من تحديات إقليمية خطيرة، تتطلب خطابًا وطنيًا مسؤولًا، يعزز الوحدة لا الانقسام، ويصون الدولة لا يهزها، ويحترم المؤسسات لا يتجاوزها. أما المزايدات الرخيصة، فلن تصنع وطنًا، ولن تحميه، بل ستقوده إلى حافة الانقسام.
ختامًا، نقولها بوضوح: الجنسية الأردنية ليست مادة للمزايدة، والوطن ليس ساحة لتصفية الحسابات، والهوية الوطنية ليست ورقة تُستخدم في صراعات اللحظة. الأردن أكبر من هذه الدعوات، وأقوى من أن يُختطف بصوت عابر أو بيان متهور.
الكاتب من الأردن