فادي السمردلي يكتب: الإعلام الأردني التقليدي ينهار أمام تيك توك
بقلم فادي زواد السمردلي ……
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
لم تعد المشكلة في الأردن، كما في كثير من الدول العربية، مجرد تراجع الصحف الورقية أو انخفاض نسب مشاهدة التلفزيون التقليدي فما يحدث اليوم أكبر من ذلك بكثير. فنحن أمام انهيار تدريجي لنموذج إعلامي كامل، عاش لعقود طويلة وهو يعتقد أنه وحده من يملك الخبر، والرواية، وقدرة التأثير على الناس.
لكن العالم تغيّر فجأة، وبسرعة صادمة والهاتف الذي يحمله شاب في العشرين من عمره أصبح أحيانًا أقوى تأثيرًا من مؤسسة إعلامية كاملة عمرها عشرات السنوات.
اليوم، لم يعد الأردني ينتظر نشرة الثامنة مساءً ليعرف ماذا يحدث، ولا يفتح المواقع الإخبارية بالضرورة ليقرأ التحليل السياسي أو الخبر العاجل فالمواطن بات يحصل على الأخبار من فيديو مدته ثلاثون ثانية على تيك توك، أو من مقطع سريع على إنستغرام، أو حتى من بث مباشر لشخص مجهول يجلس داخل سيارته ويتحدث بعفوية أقرب للناس من لغة المؤسسات الثقيلة.
وهنا بدأت الأزمة الحقيقية الإعلام التقليدي في الأردن ما يزال يتحرك بعقلية قديمة جدًا، عقلية ترى أن الجمهور يجب أن يأتي إليها، بينما الواقع الجديد يقول إن المنصة هي التي يجب أن تذهب إلى الجمهور، بلغته وسرعته وطريقته في الفهم والتفاعل.
الجيل الجديد لا يحب اللغة الخشبية، ولا ينتظر مقدمًا يرتدي بدلة رسمية ليشرح له العالم من خلف مكتب فاخر فالشباب يريدون لغة سريعة، مباشرة، صادقة، وعفوية. يريدون شخصًا يشبههم، لا مؤسسة تتحدث فوقهم.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يتحول كثير من المؤثرين وصناع المحتوى إلى مصادر رأي وتأثير تتفوق أحيانًا على وسائل إعلام تمتلك إمكانيات ضخمة فالمشكلة لم تعد في الإمكانيات التقنية، بل في فهم المزاج الجديد للناس.
تيك توك تحديدًا لم يعد مجرد منصة للرقص والترفيه كما كان يُنظر إليه في البداية فهذه المنصة تحولت إلى ساحة إعلامية وسياسية واجتماعية هائلة التأثير خبر واحد أو مقطع قصير قادر اليوم على إشعال نقاش وطني كامل خلال ساعات، بينما قد تفشل عشرات المقالات التقليدية في تحقيق التأثير نفسه.
الأخطر أن الإعلام التقليدي خسر أهم ميزة كان يمتلكها احتكار الرواية ففي الماضي، كانت المؤسسات الإعلامية هي من تقرر ما الذي يجب أن يعرفه الناس، وكيف يجب أن يفكروا فيه أما اليوم، فالجمهور نفسه يصنع الرواية، ويعيد تفسير الأحداث بطريقته، ويمنح الاهتمام لما يراه مهمًا، لا لما تراه المؤسسات مهمًا.
في الأردن، تبدو الفجوة واضحة جدًا بين الإعلام التقليدي والشارع الرقمي الجديد فكثير من المؤسسات ما تزال تتحدث بلغة رسمية باردة، بينما يعيش الناس حالة غضب وضغط اقتصادي وسياسي تحتاج إلى خطاب أكثر قربًا وواقعية وجرأة.
ولهذا ينجح صانع محتوى بسيط أحيانًا في الوصول إلى ملايين المشاهدات، لأنه يتحدث بلغة الناس الحقيقية، لا بلغة البيانات والعناوين الجامدة.
لكن المشكلة لا تتعلق فقط بالإعلام كمهنة، بل بقدرة الدولة والمجتمع على فهم التغيير الكبير الذي يحدث في تشكيل الرأي العام فاليوم، أي حدث سياسي أو اقتصادي أو أمني يمكن أن يتحول خلال دقائق إلى قضية رأي عام ضخمة عبر السوشال ميديا، دون أن تملك المؤسسات التقليدية القدرة على التحكم بالسردية أو حتى مجاراة سرعتها.
وهذا ما يفسر حالة الارتباك التي تظهر أحيانًا عند التعامل مع بعض القضايا العامة لأن زمن السيطرة الكاملة على تدفق المعلومات انتهى فعليًا، والمنصات الرقمية خلقت واقعًا جديدًا أكثر فوضوية، لكنه أيضًا أكثر حرية وتأثيرًا.
المفارقة أن كثيرًا من الإعلام التقليدي ما يزال يتعامل مع تيك توك والسوشال ميديا بتعالٍ أو استهزاء، رغم أن الجمهور نفسه هاجر بالفعل إلى هناك فالناس اليوم لا تبحث فقط عن الخبر، بل عن الإحساس، والتفاعل، والسرعة، والصدق، وحتى الترفيه داخل الخبر نفسه.
الإعلام الأردني لا يواجه أزمة تقنية، بل أزمة عقلية قديمة لم تستوعب بعد أن الجمهور تغيّر بالكامل وأن معركة التأثير لم تعد تُحسم داخل الاستوديوهات الفخمة، بل على شاشة هاتف صغيرة يحملها شاب يجلس في مقهى أو داخل حافلة أو في غرفته الخاصة.
وفي المستقبل القريب، لن يكون السؤال هل تراجع الإعلام التقليدي؟ بل هل يستطيع أصلًا البقاء إذا استمر في تجاهل العالم الجديد؟
الكاتب من الأردن