من رسم الحدود…. إلى صناعة التعصّب
د. منى النحلاوي ……
اقتباس افتتاحي:
بين خطٍ يُرسم على خريطة،
وخَطٍ يُغرس في العقل…
تبدأ حكاية انقسام لا تعرف النهاية.
في زمنٍ نظن فيه أن الاستعمار قد رحل، ما زالت حدوده قائمة… لا على الخرائط فقط، بل في العقول.
لم تكن خطوطه مجرد تقسيمٍ للأرض، بل كانت إعادة صياغة للإنسان ذاته؛ إذ زرع في الوعي تصنيفاتٍ حادة، جعلت من الهوية قيدًا، ومن الاختلاف صراعًا، ومن اللون حكمًا مسبقًا لا يُناقش.
توارثت الأجيال هذه القوالب دون مساءلة، حتى غدت جزءًا من البنية الفكرية للمجتمعات، فصار الإنسان يقف أمام أخيه لا بصفته إنسانًا، بل كامتداد لهويةٍ مفروضة أو فكرةٍ موروثة. وهنا لم يعد الانقسام جغرافيًا فحسب، بل تسلل إلى العلاقات، إلى البيوت، إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتشكل المسافات بين القلوب قبل أن تُرسم بين الحدود.
لقد أدرك المستعمر أن السيطرة على الأرض مؤقتة، أما السيطرة على العقل فباقية. فعمل على إعادة تشكيل الوعي الجمعي، عبر ترسيخ ثنائيات حادة: نحن وهم، الأبيض والأسود، الأصل والهامش. ومع الوقت، تحولت هذه التصنيفات إلى مسلّمات، لا تُناقش بل تُورّث، ولا تُفكك بل تُقدّس.
لكن المفارقة المؤلمة أن هذا الإرث لم يتوقف عند لحظة التحرر، بل استمر في إعادة إنتاج نفسه داخل المجتمعات ذاتها. فصرنا نشهد أشكالًا متعددة من التعصب، لا تُفرض من الخارج، بل تنبع من الداخل؛ من عقولٍ تشبعت بخطاب التمييز، ومن ثقافاتٍ أعادت تدوير ما زُرع فيها دون وعي.
وهكذا، لم تعد الانقسامات بين الشعوب فقط، بل امتدت لتشمل المناطق القريبة، بل وحتى داخل الأسرة الواحدة. وأصبح الانتماء الضيق يتقدم على القيم الإنسانية، وأصبح الاختلاف سببًا للفرقة بدل أن يكون مصدرًا للغنى والتكامل.
إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس وجود هذا الفكر، بل اعتيادنا عليه. حين يتحول التعصب إلى أمرٍ طبيعي، وحين يُنظر إلى التمييز كجزء من الهوية، فإننا نكون قد دخلنا مرحلة أخطر من مجرد التأثر بالإرث الاستعماري: مرحلة التماهي معه.
ومن هنا، فإن التحرر الحقيقي لا يبدأ بإزالة الحدود من على الخرائط، بل بإزالتها من داخلنا. يبدأ بإعادة النظر في المسلّمات التي نشأنا عليها، وبطرح الأسئلة التي تجنبناها طويلًا: من نحن فعلًا؟ وهل ما نحمله من أفكار هو اختيارنا، أم مجرد امتداد لما فُرض علينا؟
إن إعادة بناء الوعي مسؤولية جماعية، تتطلب شجاعة فكرية، وصدقًا مع الذات، وقدرة على الاعتراف بأن بعض ما نحمله ليس منا. فالهويات التي تُبنى على الإقصاء لا تصنع مجتمعات، بل تخلق صراعات مستمرة، والتعصب لا يحمي الانتماء، بل يُضعفه.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل نملك الجرأة لنفكك هذا الإرث، أم سنبقى أسرى حدودٍ لم نرسمها، لكننا ما زلنا نحرسها؟
باحثة فى القضايا الاجتماعية.
د. منى النحلاوي
الكاتبة أردنية
تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية