فادي السمردلي يكتب: لا تعدلوا قانون الضمان في المكاتب… اذهبوا إلى المحافظات واستمعوا للناس

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

ليس من الحكمة، ولا من العدالة، أن يُناقش تعديل قانون بحجم وأثر قانون الضمان الاجتماعي داخل جدران المكاتب المغلقة أو في لقاءات انتقائية مع مجموعات محدودة، مهما كانت خبرتها أو مكانتها فالضمان الاجتماعي ليس ملفًا فنيًا يخص خبراء الاكتواريين وحدهم، ولا هو شأن إداري يمكن حسمه عبر اجتماعات رسمية مقتضبة بل هو عقد اجتماعي طويل الأمد بين الدولة والمواطن، يمس لقمة عيش العامل، وطمأنينة المتقاعد، وأمان الأسرة الأردنية بأكملها.

حين نتحدث عن تعديل قانون الضمان الاجتماعي، فإننا نتحدث عن مستقبل أجيال، وعن سنوات عمل ستُقاس بمعايير جديدة، وعن حقوق مكتسبة قد تُعاد صياغتها، وعن التزامات مالية تمتد لعقود. لذلك فإن أي محاولة لاختصار النقاش في دائرة ضيقة، أو الاكتفاء بسماع أصوات محددة سلفًا، لن تنتج توافقًا وطنيًا حقيقيًا، بل ستولد شعورًا بالقلق وعدم الثقة، وربما رفضًا اجتماعيًا صامتًا يتراكم مع الوقت.

المشكلة ليست في النوايا، بل في منهجية الحوار فمن السهل أن نعقد ورشة عمل في العاصمة، أو نجمع ممثلين عن مؤسسات ونقابات في قاعة مكيفة، ونخرج بتوصيات تبدو متوازنة على الورق لكن الواقع الاجتماعي والاقتصادي في المحافظات مختلف تمامًا فالعامل في مصنع في المفرق، أو موظف البلدية في الكرك، أو الممرض في مستشفى في الطفيلة، يعيش ظروفًا لا يمكن استيعابها عبر تقارير مكتبية أو عروض تقديمية فهؤلاء هم أصحاب المصلحة الحقيقيون، وهم من سيدفع ثمن أي تعديل، سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا.

الضمان الاجتماعي، بطبيعته، يقوم على الثقة والثقة لا تُبنى بالتطمينات العامة، بل بالمشاركة الفعلية. عندما يشعر المواطن أن رأيه مسموع، وأن مخاوفه تُناقش بجدية، وأن صوته له وزن في صياغة القرار، فإنه يكون أكثر استعدادًا لتقبل التغيير، حتى لو كان صعبًا أما حين يُفاجأ بقرارات صادرة بعد نقاشات لم يكن طرفًا فيها، فإن رد الفعل الطبيعي سيكون الشك، وربما المقاومة.

من هنا، فإن الدعوة إلى نقاش وطني على مستوى المحافظات ليست ترفًا سياسيًا، ولا استعراضًا إعلاميًا، بل ضرورة مؤسسية فالمطلوب هو حوار حقيقي، منظم، وشفاف، تُطرح فيه الأسئلة الصعبة بلا مجاملة
هل سيؤدي رفع سن التقاعد إلى إطالة سنوات البطالة بين الشباب؟
هل ستؤثر التعديلات على قدرة العاملين في المهن الشاقة على الاستمرار في العمل؟
هل سيحافظ النظام على توازنه المالي دون تحميل الأجيال القادمة أعباء إضافية؟

هذه الأسئلة لا يملك إجاباتها خبراء العاصمة وحدهم، بل يجب أن تُناقش في كل محافظة، ومع كل فئة مهنية، وبحضور من سيتأثر مباشرة بنتائجها.

كما أن توسيع دائرة الحوار يمنح صانع القرار فرصة ثمينة لاختبار الأفكار قبل تحويلها إلى نصوص قانونية ملزمة فالقانون الذي يُصاغ بعد نقاش واسع يكون أكثر واقعية، وأقل عرضة للتعديل المستمر، وأكثر قدرة على الصمود أمام التحديات الاقتصادية والديموغرافية. أما القانون الذي يولد في بيئة مغلقة، فإنه غالبًا ما يحتاج إلى ترقيع متكرر، لأن تفاصيل الواقع لم تُؤخذ في الحسبان منذ البداية.

الأردن يمتلك خبرة طويلة في إدارة الحوار الوطني، ويمتلك مؤسسات قادرة على تنظيم لقاءات في كل محافظة، من خلال البلديات، وغرف الصناعة والتجارة، والنقابات المهنية، والجامعات فما ينقصنا ليس الأدوات، بل القرار بإشراك الناس بجدية، لا شكليًا.

في النهاية، تعديل قانون الضمان الاجتماعي ليس مجرد إجراء تشريعي إنه اختبار لمدى احترامنا لفكرة الشراكة بين الدولة والمجتمع فإذا أردنا قانونًا مستقرًا، عادلًا، وقابلًا للاستمرار، فعلينا أن نخرج من المكاتب إلى الميدان، وأن نستمع لكل صوت، لا لبعض الأصوات لأن القانون الذي يمس جميع الأردنيين يجب أن يُصاغ بمشاركة جميع الأردنيين.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا