رائحة فتنة… ومن يعرف الأردن وفلسطين لا يُخدع
د. هاني العدوان. …..
هناك شيء في الهواء، اختلاف يُدفع ليكبر، ورائحة ثقيلة لا تخطئها الفطرة
رائحة فتنة تُدس بخبث وتُقدم للناس على أنها حرص وغيرة وهي في حقيقتها شر يُراد به شق ما لا ينشق
الأردن وفلسطين هما حكاية واحدة كُتبت بدم واحد، بيت واحد له بابان وروح واحدة لها جسدان
من يعرف هذه الأرض يعرف أن ما بينهما خط رسمه الغريب ليقول لنا هنا قفوا، فوقفنا بالجسد وبقي القلب يعبر كل يوم
كما قال محمود درويش ما بينهما نهر ثم نشف، لم يبق إلا أثر خط اسمه سايكس بيكو، خط على الورق وليس في الذاكرة ولا على الدم ولا على اللهجة ولا على الوجع
هوانا واحد، أرضنا واحدة، لهجتنا واحدة، دمنا واحد، تاريخنا واحد، حتى الحزن حين يمر من هنا يصل إلى هناك دون إذن، وحين يفرح طفل في نابلس تبتسم له عمان دون أن تدري لماذا
فما الذي يجري
من الذي ينفخ في هذا الرماد
من الذي يحاول أن يجعل الأخ يرى أخاه غريباً
هناك من يحرك الكلمات بخبث، يزرع كلمة هنا ويترك شبهة هناك، يلبس ثوب الوطنية، ويتحدث بلسان الغيرة وفي داخله مقصد آخر، مقصد يريد أن يرى هذا الجسد الواحد يضرب نفسه بيديه
هل نُساق إلى هذا
هل نحقق حلم العدو بأيدينا
هل ننشغل ببعضنا وهو يريد أن يخرج من أزماته على حسابنا
من يراقب المشهد يرى بوضوح أن هناك من يريد نقل النار من الداخل إلى الخارج، من يريد أن تتحول الساحة إلى صراع جانبي، أن ننشغل ببعضنا وننسى من يحتل ومن يقتل ومن يخطط
وهنا الخطر الحقيقي
ليس في الكلمة وحدها، بل في نيتها، في توقيتها، في الجهة التي تستفيد منها
الأردني الذي يعرف فلسطين لا يمكن أن ينجر، والفلسطيني الذي يعرف الأردن لا يمكن أن يُخدع، لأن العلاقة أكبر من كلمة تُقال، بل تاريخ يُعاش ودماء سالت معاً ولم تسأل عن الهوية
لكن الحذر واجب
لأن الفتنة تبدأ بكلمة صغيرة ثم تكبر إن وجدت من يرددها، وتنتشر إن وجدت من يصدقها
ومن هنا تأتي المسؤولية
مسؤولية الكلمة ومسؤولية الوعي ومسؤولية الدولة
على الجهات الأمنية أن تفتح عيونها جيداً فهناك من يبث السم تحت غطاء الحب وهناك من يخلط الحق بالباطل ليصنع حالة تخدم غيرنا لا تخدمنا، وهؤلاء لا يريدون خيراً لا للأردن ولا لفلسطين، ولا يحملون ذرة انتماء حقيقي
يعيشون على تمزيق ما بقي متماسكاً
من يتجاوز حدود الكلمة إلى الإساءة إلى الأردن وقيادته وشعبه، يجب أن يُحاسب حساباً عسيراً
وكذلك من يسيء إلى فلسطين وشعبها وقيادتها
فهذه ليست حرية كلمة وآراء شخصية بل أفعال تمس كرامة شعوب وتفتح أبواب شر لا تُغلق، وكل من يمد يده أو لسانه للإساءة إلى أي دولة عربية شقيقة يجب أن يقف عند حده، لأن العبث في هذا الباب خطر على الجميع
نحن في هذا الوطن لم نكن يوماً إلا إخوة للجميع، ننظر لكل عربي على أنه منا، يفرحنا ما يفرحه، ويقلقنا ما يصيبه، هذه هي قيمنا التي تربينا عليها، وهذا هو الطريق الذي نحمي به أنفسنا من كل من يريد أن يزرع بيننا ما ليس فينا
والقضية اليوم مسؤولية عقول
إما أن نبقى كما نحن جسداً واحداً
أو نتحول إلى جبهات صغيرة يأكل بعضها بعضاً
الأمر واضح لمن يرى
من يحب هذه الأرض لا يزرع فيها شقاقاً
ومن يدرك ما يجري لا ينجر خلف كلمة
فانتبهوا، الرائحة واضحة
ومن يعرفها يعرف من أين تأتي
الكاتب من الأردن