زلزال الطاقة العالمي… بين سياسات الاحتواء وارتدادات السوق المفتوحة
رسول حسين أبو السبح ……
لم تعد أسواق الطاقة مجرّد ساحات للتبادل التجاري، بل تحوّلت بفعل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة إلى ميادين صراع صامت تُعاد فيها صياغة موازين القوة الدولية، فمنذ اندلاع الأزمة في الخليج العربي، وما رافقها من تهديدات لإمدادات النفط عبر مضيق هرمز، دخل الاقتصاد العالمي مرحلة “الاختبار القاسي”، حيث لم تعد قواعد العولمة كافية لضبط الإيقاع، وتقدّمت مفاهيم “الأمن الطاقي” و”السيادة الاقتصادية” إلى واجهة القرار السياسي.
في هذا السياق، جاءت تصريحات نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك لتؤكد توجهاً واضحاً نحو إعادة ترتيب الأولويات الداخلية، عبر قرار حظر صادرات البنزين بدءاً من أبريل 2026، هذا القرار، وإن بدا في ظاهره إجراءً فنياً لضبط السوق المحلية، إلا أنه يعكس تحوّلاً أعمق في فلسفة إدارة الموارد؛ فروسيا، كواحدة من أكبر منتجي الطاقة عالمياً، تدرك أن اضطراب الأسواق الدولية قد ينعكس سريعاً على الداخل، وأن الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي يمرّ أولاً عبر تأمين الإمدادات الوطنية على حساب التزاماتها التصديرية.
غير أن هذه المقاربة، التي يمكن وصفها بـ”الحمائية الطاقية”، تحمل في طياتها آثاراً مزدوجة، فمن جهة، تسهم في تهدئة الضغوط التضخمية داخلياً، وتمنح الحكومات هامشاً زمنياً لإدارة الأزمات، لكنها، من جهة أخرى، تؤدي إلى تقليص المعروض في الأسواق العالمية، ما يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، ويعمّق من حدة الاختلالات بين الدول المصدّرة والمستوردة.
على الضفة الأخرى، اختارت الهند بوصفها اقتصاداً صاعداً شديد الحساسية لأسعار الطاقة نهجاً مغايراً يقوم على “امتصاص الصدمة” بدلاً من إعادة توجيهها، فقد لجأت الحكومة إلى خفض الضرائب على الوقود، في خطوة تهدف إلى تخفيف العبء عن المستهلكين والحفاظ على وتيرة النشاط الاقتصادي، غير أن هذا الخيار ليس بلا كلفة، إذ تتحمّل المالية العامة وشركات الطاقة جزءاً كبيراً من الفجوة بين السعر العالمي والمحلي، ما يضع ضغوطاً إضافية على الموازنات، ويؤجّل ولا يلغي أثر الأزمة.
أما في عواصم مثل أديس أبابا، فإن الأزمة تتخذ بعداً مختلفاً، يتجاوز الحسابات الاقتصادية إلى تهديد الاستقرار الاجتماعي، فمع تزايد المخاوف من نقص الإمدادات، تظهر أنماط سلوكية قائمة على التخزين المفرط، وتزدهر الأسواق السوداء، ويتحوّل الوقود من سلعة إلى “عملة مفقودة” تغذّي شبكات غير رسمية، في مثل هذه السياقات، لا يعود السؤال متعلقاً بالأسعار فقط، بل بقدرة الدولة على الحفاظ على الحد الأدنى من النظام الاقتصادي.
إن ما يجمع بين هذه النماذج الثلاثة روسيا، الهند، وإثيوبيا، هو انتقال مركز الثقل من السوق العالمية إلى القرار السيادي، فالدول، تحت ضغط الأزمات، تميل إلى تقليص انكشافها الخارجي، حتى وإن كان ذلك على حساب كفاءة النظام العالمي ككل. وهنا يبرز التناقض الجوهري، فالإجراءات التي تنجح محلياً قد تفشل عالمياً، والعكس صحيح.
وعليه، فإن السياسات الحمائية مثل حظر التصدير الروسي قد تنجح مؤقتاً في كبح التضخم الداخلي، لكنها تساهم في خلق “حلقة تضخمية عالمية” نتيجة تقلّص العرض واشتداد المنافسة على الموارد، وإذا ما استمرت هذه السياسات بالتوازي مع اضطرابات جيوسياسية في مناطق حيوية كالخليج العربي، فإن احتمال تجاوز أسعار النفط حاجز 150 دولاراً للبرميل يصبح سيناريو واقعياً، لا مجرد فرضية نظرية.
في المحصلة، نحن أمام لحظة مفصلية تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والسوق، بين السيادة والعولمة، فالعالم الذي بُني على افتراض وفرة الطاقة ورخصها، يجد نفسه اليوم في مواجهة معادلة جديدة، الطاقة لم تعد مجرد محرّك للاقتصاد، بل أداة نفوذ، وسلاح ضغط، وشرطاً أساسياً للبقاء الاقتصادي، وفي ظل هذه المعادلة، لن يكون السؤال، كيف نخفض الأسعار؟ بل من يملك القدرة على تحمّل كلفتها؟
الكاتب من العراق