فادي السمردلي يكتب: لا نفط عراقي مجاني للأردن
بقلم فادي زواد السمردلي ……
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
تتكرر في النقاشات العامة، خصوصًا على وسائل التواصل الاجتماعي، عبارة مفادها أن الأردن يحصل على النفط العراقي مجانًا، وكأن الأمر يتعلق بمنحة دائمة أو دعم بلا مقابل فهذه الفكرة، رغم انتشارها، لا تصمد أمام أبسط قراءة اقتصادية للاتفاق القائم بين البلدين فالعلاقة النفطية بين الأردن والعراق هي علاقة تجارية منظمة تحكمها عقود وتسعير ومعادلات مالية واضحة، وليست حالة استثنائية من التبرع أو الهبة ففي عالم الاقتصاد، لا تُبنى الاتفاقيات بين الدول على العواطف أو المجاملات، بل على حسابات الكلفة والمنفعة والمصلحة المتبادلة، حيث يسعى كل طرف إلى تعظيم مكاسبه وتقليل مخاطره.
عند النظر إلى الاتفاق من زاوية المصالح العراقية تحديدًا، يتضح أن العراق ليس طرفًا متنازلًا أو خاسرًا في هذه المعادلة، بل هو مستفيد اقتصاديًا واستراتيجيًا من استمرار تزويد الأردن بالنفط. فالعراق دولة نفطية ضخمة تمتلك احتياطيات كبيرة وإنتاجًا مرتفعًا، ويواجه في الوقت نفسه تحديات تتعلق بتنوع منافذ التصدير وضمان استقرار الطلب لذلك فإن بيع جزء من النفط إلى دولة مجاورة مثل الأردن عبر منفذ بري قريب يوفر للعراق سوقًا ثابتة يمكن الاعتماد عليها، ويقلل من الاعتماد الكامل على الموانئ البحرية أو المسارات التصديرية الطويلة.
العراق يزوّد الأردن بكميات يومية من النفط تُقدّر عادةً بين 10 و15 ألف برميل يوميًا، وهي كمية صغيرة نسبيًا مقارنة بإجمالي إنتاج العراق الذي يُقاس بالملايين من البراميل يوميًا فهذه الحقيقة وحدها تكشف أن الخصم السعري الممنوح للأردن لا يشكّل عبئًا ماليًا حقيقيًا على الاقتصاد العراقي، بل يمكن اعتباره أداة تسويقية لضمان استمرار تدفق جزء من الإنتاج إلى سوق قريبة ومستقرة ففي عالم تجارة النفط، الاستقرار في البيع أحيانًا يكون أكثر قيمة من تحقيق أعلى سعر ممكن في كل صفقة.
من الناحية المالية، العراق لا يقدم النفط مجانًا، بل يبيعه وفق معادلة سعرية واضحة تعتمد السعر العالمي مع خصم ثابت فهذا الخصم لا يعني خسارة مباشرة، لأن كلفة إنتاج النفط في العراق منخفضة نسبيًا مقارنة بالعديد من الدول الأخرى، مما يمنح الحكومة العراقية هامشًا ماليًا يسمح لها بتقديم سعر تفضيلي دون التأثير على الربحية العامة. وبعبارة أخرى، العراق يبيع النفط بسعر أقل من السوق، لكنه يظل يحقق عائدًا ماليًا إيجابيًا، وهو الهدف الأساسي لأي عملية تجارية.
إضافة إلى ذلك، فإن الاتفاق مع الأردن يحقق للعراق مكاسب غير مالية لا تقل أهمية عن العائد النقدي فوجود علاقة اقتصادية مستقرة مع دولة مجاورة يساهم في تعزيز النفوذ الاقتصادي والسياسي للعراق في المنطقة، ويخلق شبكة من المصالح المشتركة التي تدعم الاستقرار الإقليمي كما أن حركة نقل النفط عبر الحدود تنشط قطاعات النقل والخدمات اللوجستية، وتوفر فرص عمل وتدفقًا اقتصاديًا مستمرًا في المناطق الحدودية.
من زاوية استراتيجية أوسع، يسعى العراق منذ سنوات إلى تنويع منافذ تصدير النفط وعدم الاعتماد على مسار واحد فقط. الاعتماد على منفذ بحري واحد أو محدود يعرّض الدولة لمخاطر سياسية أو أمنية أو لوجستية لذلك فإن وجود مسار بري لتصدير النفط، حتى بكميات محدودة، يندرج ضمن سياسة إدارة المخاطر في قطاع الطاقة. هذه السياسة تشبه في الاقتصاد ما يُعرف بتوزيع المخاطر، حيث يتم توزيع قنوات التصدير لتقليل احتمالات التعطل أو الخسارة.
أما بالنسبة للأردن، فإن الاستفادة الرئيسية من الاتفاق تتمثل في الحصول على جزء من احتياجاته النفطية بسعر أقل من السعر العالمي، وهو أمر يساعد في تخفيف الضغط على فاتورة الطاقة ومع ذلك، فإن حجم الكمية المستوردة من العراق يظل محدودًا مقارنة بإجمالي استهلاك الأردن، الذي يبلغ في المتوسط ما بين 150 و170 ألف برميل يوميًا. وبذلك فإن النفط العراقي يشكّل نحو 7% إلى 10% فقط من احتياجات المملكة النفطية، ما يعني أن الاتفاق مهم ماليًا لكنه ليس عنصرًا حاسمًا في تلبية الطلب الكلي على الطاقة.
الجدل حول فكرة “النفط المجاني” يعكس في كثير من الأحيان قراءة سياسية أو عاطفية للعلاقات الاقتصادية، وليس قراءة مبنية على الأرقام فالعراق، مثل أي دولة منتجة للنفط، لا يبيع موارده دون مقابل، بل يسعى إلى تحقيق عائد اقتصادي وتعزيز موقعه في السوق الإقليمية فالخصم السعري هو أداة من أدوات السياسة الاقتصادية، وليس دليلًا على التنازل أو الخسارة.
في المحصلة، الاتفاق النفطي بين العراق والأردن يمكن فهمه بوضوح إذا نظرنا إليه من زاوية المصالح العراقية. فالعراق يحقق دخلًا ماليًا من بيع النفط، ويؤمّن سوقًا مستقرة قريبة جغرافيًا، ويعزز تنوع منافذ التصدير، ويقوي علاقاته الاقتصادية الإقليمية فهذه مجموعة من المكاسب الواقعية التي تفسر استمرار الاتفاق، وتؤكد أن الحديث عن “نفط مجاني” لا يعكس الحقيقة الاقتصادية، بل يتجاهل منطق السوق الذي يحكم تجارة الطاقة في العالم.
الكاتب من الأردن