طلبة الجامعة الهاشمية… بين العلم و”رياضة الصبر”
بقلم: العميد المتقاعد هاشم المجالي ………………
ما أشبه حال طالب اليوم في رحلته إلى جامعته بحال المسافر في بيداء لا ظلّ فيها ولا ماء؛ يخرج من بيته في عمان لا لطلب علمٍ فحسب، بل ليمتحن جلده على المكاره، ويختبر قلبه على الصبر، كأنما أُدرج “التنقل” في خطته الدراسية مادةً إجبارية، عنوانها: فن الاحتمال.
كان للطالب بالأمس مركبٌ رحيم، يأتيه في موعده كالصديق الوفي، لا يخذله ولا يتثاقل عنه، يحملُه في سكينةٍ إلى حيثُ العلم، ويعيده إلى أهله كأن لم يمسسه نصب. فلما أصبح اليوم، إذا به يقف على قارعة الطريق، يرمق الحافلات رمق الغريق لخشبة النجاة، حتى إذا أتته، أتته مزدحمةً كأنها جمعت أهل المدينة عن بكرة أبيهم، لا تفرّق بين طالبٍ وواقفٍ ومتعبٍ ومريض.
ثم يمضي في رحلته مرحلتين: من مجمع الشمال إلى الزرقاء، ومن الزرقاء إلى الجامعة، وكأن العلم لا يُنال إلا بعد “حجٍّ” صغير، له شعائره ومشاقّه! فإن تأخر، لاموه، وإن غاب، حاسبوه، وإن اشتكى، قالوا له: “اصبر، فالصبر مفتاح الفرج”، وكأنهم نسوا أن المفاتيح إن طالت دون بابٍ تُفتح عليه، صارت عبئًا لا فائدة منه.
أيها السادة، إن الطالب لا يطلب ترفًا، ولا يسأل نعيمًا، بل يسأل حقًا بسيطًا: أن يصل إلى جامعته آمنًا، في وقته، بكرامته. فهل غلا هذا الطلب حتى صار ضربًا من الخيال؟ أم أن الطريق إلى العلم قد كُتب عليه أن يمرّ عبر عنق الزحام وضيق الصدور؟
عجبًا لإدارةٍ كانت بالأمس تُيسّر، فأصبحت اليوم تُعسّر، وكانت تُقرّب، فأضحت تُبعّد! أترى التطوير عندها أن نعود القهرا ؟ أم أن الطالب عندها صار يُقاس بقدر احتماله لا بقدر علمه؟
إن الأمم لا تُبنى بالجامعات وحدها، بل بما حولها من نظامٍ يُعين الطالب على طلب العلم لا يُثنيه عنه. وإن الطالب الذي يصل منهكًا، متعبًا، مشتت الفكر، ليس طالب علم، بل ناجٍ من معركة يومية، كل همه أن يصل… لا أن يتعلم.
فيا إدارة الجامعة، إن أردتم للعلم أن يزدهر في أروقتكم، فابدؤوا بالطريق إليه؛ فإن الطريق إذا فسد، فسد الوصول، وإذا تعثر الوصول، ضاع المقصود.
وما الطالب إلا أمانة، فإن ضاعت في زحام الحافلات، فلن تجدوا لها أثرًا في قاعات المحاضرات.