*عقلية الكاوبوي وإرث الهاغاناه: نهج العصابات*
د.أحمد العرامي …..
تتلاقى السياسات المتبعة من قبل دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو لترسم مشهداً سياسياً عالمياً يعتمد بشكل أساسي على القوة المجردة وفرض الأمر الواقع متجاوزاً القوانين والأخلاق والقيم و الأعراف الدبلوماسية المعهودة. يعكس هذا التوجه بروز ثقافتين متجذرتين في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية وكيان العدوالإسرائيلي، حيث يحيي ترامب إرث “الكاوبوي” الأمريكي المعتمد على الاندفاع والقرارات الفردية واستعراض القوة، في حين يجسد نتنياهو عقيدة “الهاغاناه” العسكرية التي تأسست على الضربات الاستباقية وفرض السيطرة بالقوة المسلحة. يولد هذا التمازج انطباعاً متزايداً للمراقبين بأن الولايات المتحدة وكيان العدو الإسرائيلي تمارسان دوراً أقرب إلى سلوك العصابات المنظمة التي تفرض قوانينها الخاصة بقوة السلاح.
أعاد ترامب خلال مسيرته السياسية إحياء صورة راعي البقر الأمريكي الذي يفضل المواجهة المباشرة والتنصل من المعاهدات الدولية والاتفاقيات المتعددة الأطراف. تتسم هذه الثقافة بالاعتماد على سياسة الترهيب، فرض العقوبات الاقتصادية الخانقة، واتخاذ القرارات الأحادية المفاجئة، مما يرسخ فكرة البقاء للأقوى في الساحة الدولية. يتصرف وفق هذه العقلية كزعيم عصابة يفرض شروطه بالقوة، متجاهلاً حلفاءه ومؤسسات المجتمع الدولي، لتتحول الدبلوماسية في عهده إلى أداة ضغط فجة تعتمد على الابتزاز السياسي والتهديد المستمر المباشر.
يستمد نتنياهو سياساته من عصابات الهاغاناه، التي اعتمدت على استخدام العنف لترويع البشر وتثبيت الوقائع على الأرض. تتجلى هذه الثقافة اليوم في الإفراط في استخدام القوة العسكرية التدميريةوارتكاب جرئم الإبادة الجماعية ، وتوسيع المستوطنات ، وتنفيذ عمليات اغتيال تتجاوز الخطوط الحمراء.
تكرس هذه المنهجية مفهوم السلطة التي تتصرف كفصيل مسلح يمتلك ترسانة متطورة، يبرر كل أفعاله تحت مظلة الأمن القومي المطلق، ويتعامل مع القرارات الأممية والمواثيق الإنسانية باستهتار تام.
يؤدي تقاطع هاتين الثقافتين المتشابهتين في الجوهر إلى تآكل الثقة في القانون الدولي وتهميش دور المؤسسات الأممية المعنية بحفظ السلم. يقدم هذا التحالف الثنائي نموذجاً يشرعن استخدام القوة المطلقة ويعطي الأولوية للمصالح الضيقة جداً على حساب الاستقرار العالمي. تظهر واشنطن وتل أبيب في ظل هذه الممارسات كقوتين تتجاوزان الأنظمة والقوانين، لتفرضا واقعاً جديداً تحكمه شريعة الغاب، وتتحول فيه آليات الدولة الرسمية إلى أدوات تنفذ أجندات تشبه في أساليبها تصرفات العصابات التي لا تعترف إلا بلغة النفوذ والبطش المباشر.
الكاتب من اليمن