إنقاذُ طيّارٍ واحد لا يصنع نصرًا… بل يفضحُ هزيمةَ مشروعٍ أمريكيٍّ كاملٍ: يا عبيدَ واشنطن، متى تكفّون عن عبادةِ الوهم؟

وداد علي سالم البيض  …..

 

ما أتعسَ حالَ أمةٍ باتَ فيها بعضُ أبنائها يصفّقون لعدوِّها وهو يطعنها، ويهلّلون لجلّادها وهو يذبحها، ويصنعون من مشهدٍ صغيرٍ تافهٍ “معجزةً أمريكيةً”، فقط لأنهم اعتادوا الانبهارَ بمن يحتقرهم، والتصفيقَ لمن يستعبدهم، والتطبيلَ لمن لا يراهم إلا أتباعًا وعبيدًا في مشروعه الاستكباريّ القذر. فجأةً، وبكلِّ صفاقةٍ وانحطاطٍ وانسلاخٍ من العقل والكرامة، جعلتم إنقاذَ طيّارٍ واحدٍ فتحًا عظيمًا، ونصرًا مؤزرًا، ومعجزةً أمريكيةً خارقة، وهزيمةً ساحقةً لإيران! يا للعار… يا للمهزلة… يا لضحالة العقول حين تتحول إلى أبواقٍ رخيصةٍ في بلاطِ الاستكبار.

أيُّ منطقٍ هذا؟ وأيُّ عقلٍ هذا؟ وأيُّ انحدارٍ هذا الذي يجعل من إنقاذِ طيّار عنوانًا للنصر، بينما تُدفنُ تحت أقدامكم حقيقةُ المشهد الأكبر، والحقيقةُ الأوضح، والحقيقةُ التي تحاولون الهربَ منها بكل ما أوتيتم من كذبٍ وتهويلٍ وتضليل؟ هل صارت الحروبُ تُقاسُ عندكم بمشهدِ إخراجِ شخصٍ من الميدان، لا بنتائج العملية، ولا بأهدافها، ولا بما تحقّق منها، ولا بما فشل، ولا بما انكشف من ارتباكٍ وعجزٍ وتخبّطٍ وخسائر؟ هل بلغ بكم الإفلاسُ العقليُّ هذا الحد حتى أصبحتم تختزلون صراعًا استراتيجيًا معقدًا، ومواجهةً بين مشروعين، واختبارًا لإراداتٍ وقدراتٍ وحدودِ قوةٍ، في لقطةٍ دعائيةٍ تافهةٍ صُنعت لكم لتبتلعوها كما تبتلعون كلَّ كذبةٍ أمريكيةٍ جاهزة؟

اتمرجلوا شوي.
نعم، اتمرجلوا ولو مرةً واحدةً في حياتكم. تحلّوا بقليلٍ من الرجولة، وقليلٍ من الإنصاف، وقليلٍ من العقل، قبل أن تبيعوا ما تبقّى من كرامتكم على مذبح الانبهار بالأمريكي والصهيوني. لأن الحقيقة التي تهربون منها أن إيران لم تكن تنازل أمريكا على “طيّار”، بل كانت تنازلها فيما هو أهمُّ من الطيّار، وأخطرُ من الطيّار، وأبعدُ من الطيّار، وأثقلُ بكثيرٍ من الطيّار. كانت تنازلها في الأهداف الكبرى، في كسر الهيبة، في تعطيل المشروع، في إفشال المقصد، في فرض الكلفة، في كشف حدود القوة، في إرباك الحسابات، في تشتيت القرار، في تعرية العجز الأمريكي حين يصطدم بخصمٍ لا يرتعد ولا يركع.

أنتم ترون قشرة الحدث، ولا ترون لُبَّه.
تلتقطون الصورة، وتضيع منكم الحقيقة.
تنشغلون باللقطة، وتفوتكم المعادلة.
تصفّقون للتفصيل، وتدفنون الاستراتيجية.
وهذه ليست مجرد سذاجة… بل عبوديةٌ فكريةٌ كاملة.

لو كنتم تفهمون شيئًا واحدًا فقط في طبيعة الصراعات، لعرفتم أن إنقاذ الطيّار ليس هو معيار النصر، بل قد يكون أحيانًا مجرد محاولةٍ بائسةٍ لترميم صورةٍ متصدعة، وتغطيةِ إخفاقٍ أكبر، وصناعةِ بطولةٍ زائفةٍ للهروب من سؤالٍ قاتل: هل تحققت الأهداف الحقيقية أم لا؟ هذا هو السؤال الذي يقتلكم سماعه، لأن جوابه يفضحكم ويفضح معبودكم ويفضح الرواية التي تحاولون بيعها للناس. فلو كانت أمريكا قد حققت ما أرادت كاملًا، ولو كانت خرجت من المشهد مطمئنةً واثقةً ومهيمنةً ومسيطرةً، لما احتاجت أصلًا إلى هذا الكمّ من التضخيم الإعلامي لمشهدٍ محدود، ولما تحوّل إنقاذ الطيّار إلى “ملحمةٍ كونية” في أبواقكم المأجورة.

الحقيقةُ التي تحرقكم أن أمريكا بدت في هذا المشهد مرتبكةً، متوترةً، مستنفرةً، محتاجةً للتغطية، محتاجةً للتبرير، محتاجةً لصناعةِ سرديةٍ بديلةٍ عن الحقيقة المُرّة. ومن يحتاج إلى كل هذا ليس المنتصر الواثق، بل الطرف الذي شعر أن هيبته اهتزت، وأن صورته اهتزت، وأن مشروعه لم يخرج كما أراد، وأن خصمه – رغم كل الفوارق – استطاع أن يفرض عليه كلفةً لم يكن يريدها، وقلقًا لم يكن يحسبه، وارتباكًا لم يكن يتوقعه.

ثم تعالوا نتحدث بمنطقٍ يفهمه حتى أبسط الناس:
ما هو معيار الحكم في مثل هذه الوقائع؟
هل هو مجرد “تم إخراج الطيّار”؟ أم هو الإمكانات، والجغرافيا، وحجم الحشد، وطبيعة الميدان، ومستوى التعقيد، والغطاء الدولي، والدعم الاستخباراتي، والقدرة اللوجستية، ووزن التحالفات، وأهداف العملية الأصلية، وحجم ما تحقق وما تعطل وما انكشف؟
إذا كان الحكم عندكم بالمعيار الساذج الأول، فأنتم لا تفهمون الحرب أصلًا. أما إذا عدتم إلى المعيار الحقيقي، فستكتشفون – رغم أنوفكم – أن ما تسمّونه “ضعفًا إيرانيًا” ليس إلا شهادةً لإيران لا عليها.

نعم، شهادةٌ لها لا عليها.
لأن دولةً تواجه أمريكا بما تملك أمريكا من أقمارٍ صناعية، واستخباراتٍ عالمية، وحلفاء، وقواعد، وتحالفات، وإسنادٍ بحريٍّ وجويٍّ وسياسيٍّ وإعلاميٍّ، ثم تُجبر هذا الوحشَ الإمبراطوريّ على أن يتشبّث بمشهدٍ صغيرٍ ليخفي به تعثّرَ الصورة الكبرى… فهذه ليست هزيمةً لإيران، بل إذلالٌ معنويٌّ لأمريكا، حتى لو لم يعجبكم هذا الكلام، وحتى لو مزّقكم الغيظ، وحتى لو بلعتم ألسنتكم من القهر.

أنتم لا تريدون أن تعترفوا بأن العدوَّ الكبير لم يعد ذلك الوحشَ الذي لا يُمسّ.
لا تريدون أن تروا أن هيبة أمريكا تتآكل.
لا تريدون أن تفهموا أن إسرائيل نفسها باتت تقاتل تحت ضغطٍ غير مسبوق، وتعيش خوفًا غير مسبوق، وتدفع كلفةً غير مسبوقة.
ولا تريدون أن تسمعوا أن ترامب الذي جعلتموه نصف إلهٍ سياسي، والنتن الذي عبدتموه من دون الله في إعلامكم وتحليلاتكم ومواقفكم، لم يعودا يملكان تلك القدرة المطلقة التي كنتم تسوّقونها كأنها قدرٌ لا يُردّ.

بل إنكم نسيتم – أو تجاهلتم عمدًا – أن التاريخ لا يكتب “من نجا من الميدان” فقط، بل يكتب من فرض المعادلة، من أفسد الهدف، من جعل الخصم يستنفر، من أحرج العدو، من كسر سطوته، من كشف هشاشته، من أرهق حساباته، من زرع الرعب في أعصابه، من جعله يحسب ألف حسابٍ قبل الخطوة التالية. وهذا بالضبط ما تخشونه، لأن الاعتراف به يعني سقوط سرديتكم، وسقوط ولائكم النفسي للهيمنة الأمريكية، وسقوط خطابكم الذي يقتات على تقديس القوة لا على فهمها.

ويا حضرات، دعونا نكون أكثر صراحةً وقسوة:
ما تقولونه ليس من الإسلام في شيء، ولا من الإيمان في شيء، ولا من العروبة في شيء، ولا من النخوة في شيء، ولا حتى من الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية في شيء.
أنتم لا تنحازون للحق، بل للقوة.
لا تنحازون للكرامة، بل للغالب في ظنكم.
لا تنحازون للمقاومة، بل للمستكبر.
لا تنحازون للمظلوم، بل للجلاد.
تعبدون صورة القوة ولو كانت ضدكم، وتكرهون صورة الصمود ولو كانت من أجل الأمة.

أنتم من ذلك الصنف الذي إذا رأى رجلًا يقف في وجه الظالم، شتمه، وسخر منه، وتشفّى به، لأنه ذكّره بجبنه. وإذا رأى الظالم نفسه يتعثر، أسرع إلى ترقيع صورته، لأنه لا يحتمل أن يسقط معبوده أمام عينيه. ولذلك كلما قاومت إيران أو غيرها هذا المشروع الأمريكي الصهيوني، شعرتم بالغضب لا لأنكم مع الحق، بل لأنكم تكرهون أن تروا من يثبت أن أمريكا ليست إلهًا. وهذا هو مرضكم الحقيقي.

اعلموا جيدًا أن العدو قد يحترم من يقاومه ولو آلمه، لكنه لن يحترم من يركع له ولو نافق له ألف سنة.
هذه قاعدةٌ لا تتبدل.
قد يكره المقاومة، وقد يحاربها، وقد يسعى لسحقها، لكنه في النهاية يعترف – ولو بينه وبين نفسه – بأنها خصمٌ حقيقيٌّ يوجعه ويحسب له حسابًا. أما أنتم، فأنتم عنده مجرد أدواتٍ إعلامية، ووظائفَ رخيصة، وألسنةً مستأجرة، وقلوبًا ميتة، وضمائرَ مباعة. يستخدمكم حين يشاء، ويحتقركم حين ينتهي منكم، ويرميكم حين تنتهي صلاحيتكم، ولا يمنحكم حتى شرف العداوة، لأن العدوَّ عنده أشرفُ من التابع.

ولذلك نقولها بوضوحٍ لا لبس فيه:
إيران لم تُهزم في هذه العملية، بل العدو هو الذي خسر الكثير، وربما أكثر مما ظهر حتى الآن.
خسر من صورته.
خسر من هيبته.
خسر من ادعاء تفوقه المطلق.
خسر من تماسك روايته.
خسر من اطمئنانه.
خسر من هدوئه.
خسر من قدرته على إقناع الناس بأن كل ما يريده يتحقق بلا كلفة.
وخسر – وهذا هو الأهم – جزءًا جديدًا من تلك الهالة التي صُنعَت له طويلًا في عقول المصفقين والعبيد.

أما أنتم، فبدلًا من أن تقرؤوا الحدث بعين العقل، ذهبتم لتصنعوا من عملٍ صغيرٍ أسطورةً أمريكيةً، بينما تجاهلتم هزائمَ كبيرة في الخلفية، وخسائرَ أعمق، ورسائلَ أثقل، وتداعياتٍ أبعد، واحتمالاتٍ أخطر، وربما مفاجآتٍ لم يُكشف عنها أصلًا. نعم، وربما – وهذا ما يوجعكم أكثر – أن هناك ما هو أعظم مما ظهر، وما هو أخطر مما أُعلن، وما هو أشدُّ إيلامًا للعدو مما سُمح لكم أن تعرفوه. فالحروبُ لا تُقرأ بالتصفيق العاطفي، ولا بالنشرات الدعائية، ولا بمشاهد الإنقاذ المصنوعة للحمقى، بل تُقرأ بتراكم المعطيات، وبسياق العمليات، وبالنتائج الاستراتيجية، وبمآلات القوة والردع والهيبة.

يا مساكين… صبركم.
صبركم على الحقيقة وهي تخرج من تحت الركام.
صبركم على الوقائع وهي تفضح الكذب.
صبركم على الأيام وهي تكشف من الذي ربح فعلاً، ومن الذي خسر فعلًا، ومن الذي كان يرقص فوق جثة الوهم.
كم من “نصرٍ إعلاميٍّ” تحوّل بعد أيامٍ إلى خيبة!
وكم من “تبجّحٍ” صار فضيحة!
وكم من “شماتةٍ” ارتدّت على أصحابها كالسوط!

وفي النهاية، لن يكتب التاريخ أن أمريكا انتصرت لأنها أنقذت طيّارًا، بل سيكتب أن هناك من حاول أن يغطّي فشلًا كبيرًا بـ مشهدٍ صغير، وأن هناك من باع عقله وكرامته وضميره ليصفّق لذلك المشهد، وأن هناك من فهم الحقيقة رغم الضجيج:
إنقاذُ طيّارٍ لا يمحو سقوطَ هيبة، ولا يغطّي فشلَ أهداف، ولا يصنع نصرًا من رمادِ ارتباك، ولا يحوّل التعثرَ الاستراتيجي إلى بطولةٍ أسطورية.

فاستمرّوا في عبادةِ الوهم إن شئتم، وواصلوا التطبيلَ لمعبودكم الأمريكي والصهيوني إن شئتم، لكن تذكّروا جيدًا: من يركعُ للعدو لن يرفعه العدو، ومن يصفّقُ لجلّاده لن ينالَ منه إلا مزيدًا من الاحتقار، أمّا من يقاوم… فسيُحارَب، نعم، لكنه سيُحترم، وسيكتب التاريخُ أنه وقف، بينما كنتم أنتم راكعين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تابعوا حسابي على منصة اكس تويتر سابقا على الرابط التالي
بقلم /وداد البيض كاتبة وناشطة سياسية يمنية
👇👇👇https://x.com/WAlbyd40752

قد يعجبك ايضا