متلازمة ملكة النحل بين الحقيقة والخرافة

د. منى النحلاوي  ….

 

هل متلازمة “ملكة النحل” حقيقة سلوكية داخل بيئات العمل، أم أنها خرافة اجتماعية فُسّرت بشكل مبالغ فيه، لتعكس ذلك الظل الخفي الذي لا يُرى بالعين المجردة داخل المؤسسات؟

ظهر مصطلح متلازمة ملكة النحل (Queen Bee Syndrome) عام 1973، لوصف سلوكيات قد تصدر عن بعض النساء في مواقع الإدارة العليا، حيث يُعتقد أن بعضهن قد يعرقلن تقدم نساء أخريات، خاصة الطموحات منهن، بدلًا من دعمهن. وتظهر هذه السلوكيات بشكل أوضح في بيئات العمل التي يهيمن عليها الرجال، حيث تشتد المنافسة وتقل مساحات الدعم المهني بين النساء.

لكن هل هذه الظاهرة قاعدة عامة؟ وهل ترتبط بعمر معين أو مستوى تعليمي محدد؟ وهل هي أكثر انتشارًا في المؤسسات الصغيرة أم الكبيرة؟

في الواقع، لا يمكن التعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها نمطًا ثابتًا أو سلوكًا نسائيًا عامًّا. فهي في كثير من الأحيان نتاج بيئات عمل ضاغطة وغير متوازنة، وليس سمة شخصية مرتبطة بالجنس.

تظهر متلازمة ملكة النحل بشكل أكبر في المؤسسات التي تتسم بالتوتر والتنافس الشديد، أو التي تعاني من ضعف في تكافؤ الفرص بين الجنسين. ففي هذه البيئات، يتحول النجاح إلى مساحة محدودة، ويصبح الصراع على الفرص أكثر حدة.

كما أن المرأة القيادية قد تواجه ضغوطًا مركبة، فهي تتحمل مسؤوليات العمل، وضغوط المجتمع، ومتطلبات الأسرة في الوقت نفسه. هذا التوازن الصعب قد يخلق حالة من الضغط المستمر، يجعلها في بعض الحالات تتبنى سلوكيات دفاعية، قد تُفهم على أنها تقليل من دعم النساء الأخريات.

ومن ناحية أخرى، تشير بعض التحليلات إلى أن المرأة في بيئات العمل الذكورية قد تشعر بالحاجة إلى تعديل أسلوبها القيادي ليتماشى مع النموذج السائد، مما قد يخلق فجوة في الهوية المهنية ويزيد من العزلة داخل بيئة العمل.

ولا يمكن إغفال دور التحيزات الاجتماعية وعدم المساواة في الفرص، التي تُعد من أبرز العوامل المؤثرة في تشكيل هذه الديناميكيات. فحين تكون الفرص محدودة، يتحول التعاون إلى منافسة، وقد تتأثر العلاقات المهنية بين النساء بشكل غير مباشر.

ومع ذلك، من غير الدقيق اختزال الأمر في فكرة أن النساء “يُعِقْن بعضهن البعض بطبيعتهن”، فهذه نظرة مبسطة لا تعكس الواقع الكامل. فالسلوكيات المهنية تتشكل أساسًا من خلال البيئة المؤسسية والثقافة الاجتماعية، أكثر مما تتشكل من الهوية الجندرية نفسها.

فالمرأة، في جوهرها، عنصر أساسي في بناء المجتمع وتطويره، وقد أثبتت قدرتها على القيادة والإبداع رغم التحديات. ومع ازدياد حضور النساء في مواقع القرار، يصبح من الضروري تعزيز ثقافة تقوم على الدعم المهني والتعاون بدلًا من التنافس الهدّام.

الخاتمة

في النهاية، يبقى السؤال الأهم:
هل المشكلة في النساء أنفسهن، أم في بيئات العمل التي تدفع الجميع—نساءً ورجالًا—إلى تبني سلوكيات دفاعية تتشابه مع النموذج السائد؟

“بيئة العمل غير العادلة لا تُغيّر الناس… لكنها تعمل على تغيير سلوكهم.”

فهل نحن أمام مشكلة أفراد… أم أمام منظومة تحتاج إلى إعادة توازن؟

باحثة فى القضايا الاجتماعية

الكاتبة أردنية

تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

قد يعجبك ايضا