حين يُصبح نزع السلاح: فخ لإعدام مؤجل.!

أسماء الجرادي  ……

 

قال تعالى:(..وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَـمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ) أيةً قرآنية تمثل خارطة طريق عسكرية، كشفها القرآن الكريم قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، وتُطبق اليوم على جسد الأمة. أيةً تؤسس لمفهوم واسع حول طبيعة الصراع مع العدو، وتفضح اساس دعوات نزع السلاح التي تُرفع في وجه المقاومة.

فالقرآن يكشف الستار عن نية العدو الأزلية؛ إنه لا يسعى لسلام حقيقي، بل انه يتمنى غفلتك عن سلاحك لينقض عليك بهجمةً واحدة لا تقوم بعدها. هذا هو الهدف الخفي وراء مطالب أمريكا وإسرائيل اليوم من المقاومة في كل بلداننا الإسلامية؛ هي دعوة إلى غفلة تمكنهم من الإجهاز عليها بلا مقاومة أو ردع. الله تعالى وجه المجاهدين حتى في أقدس العبادات، وهي الصلاة، أمرهم بألا يضعوا سلاحهم،وامر ان يصلوا بالتناوب، طائفة تُصلي وأخرى تحرس بالسلاح. فإذا كانت الصلاة، وهي عمود الدين وأساسه المتين، لا تُسقط حمل السلاح، فكيف يمكن أن تسقطه مفاوضات سياسية أو وعود دبلوماسية..؟ إن حرمة الصلاة أعظم وأجلّ من أي اتفاقيات بشرية. وإن كانت الضرورات تبيح المحظورات، فإن رخصة وضع السلاح في حالات المطر أو المرض لا تسقط الحذر، فاشترط الله بقولة: {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ}. أي أن الحذر لا يسقط أبداً، حتى عن المريض والجريح. فما عذر أمة صحيحة يُطلب منها رمي سلاحها كله، بينما العدو متربص بها، محتل لأرضها، ومنتهك لحرماتها ومقدساتها؟ في الآية الكريمة التي وجهنا الله فيها ختمها بوعد ووعيد بقولة: {…إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا}. هذا التوجيه الإلهي يدعو الأمة إلى حمل سلاحها وأخذ حذرها ومواجهة أعدائها، مع الثقة بأن عقاب الله للكافرين حتمي. وليس امة ترمي السلاح وتنتظر العقاب الإلهي دون فعل، فهذا خلاف سنة الله وتوجيهاته التي تأمر بالأخذ بالأسباب والتوكل على المسبب.

من هذا المنطلق القرآني، يتضح أن كل من يتماهى اليوم مع العدو ويجلس على طاولة المفاوضات مطالباً بنزع سلاح المقاومة، سواء في غزة أو لبنان أو العراق، إنما يخالف هذا التوجيه القرآني الصريح قبل أن يخالف العقل والواقع. هؤلاء يسعون لتحقيق أمنية العدو الكبرى:الميلة الواحدة التي تهدف إلى إبادة المقاومة، وإسقاط الدول الإسلامية المقاومة للعدو، وإنهاء كل شيء في ضربة واحدة بعد أن تكون قد تخلت عن درعها الحصين.

هذه حقيقةٌ تؤكدها صفحات التاريخ وسجل إسرائيل الحافل بالخيانة ونقض العهود. فالأرقام والوقائع التاريخية تثبت أن إسرائيل لا تلتزم باتفاقيات السلام، انما تستخدمها كاستراحة محارب لإعادة التموضع واستعادة قوتها، أو لجمع معلومات استخباراتية، أو لتقدير مدى قوة أو ضعف الطرف الآخر، ثم تنقض على التزاماتها بلا رادع. ففي غزة، بعد اتفاقيات وقف إطلاق النار، دماءً كثيرة سالت وآلاف الخروقات التي وثقت في أيام قليلة، وأقرتها الأمم المتحدة. وقد وصلت حصيلة الشهداء إلى 72,336 شهيداً و172,213 جريحاً،بواقع اكثر من الف شهيد خلال الهدنه والاتفاق الذي ترعاه أمريكا. وعبر التاريخ كان اتفاق أوسلو عام 1993 شاهداً حتى اليوم؛ حيث طُلب من منظمة التحرير الفلسطينية نبذ ما اسموه العنف والمقاومة المسلحة مقابل وعود بدولة خلال 5 سنوات. فكانت النتيجة بعد 35 عاماً: لا دولة، انما تضاعف الاستيطان، واستمرت الاستباحة والانتهاكات والسيطرة الشاملة على الأرض والإنسان.

المشهد التاريخي لا يترك مجالاً للشك ان إسرائيل لا توافق او تدعوا لحوار وهي منتصرة ابداً. فهي لا تتفاوض إلا عندما تُستنزف وتُنهك وتُجبر على ذلك. ففي غزة، بعد فشلها في إخماد شعلة المقاومة براً وجواً وبحراً لعامين، واستمرار الكمائن على جنود العدو واطلاق الصواريخ على المستوطنات وبعد خسارات متتالية أرهقتها، وافقت على هدنه كوسيلة إنقاذ. والدليل هو استمرار الاعتداءات الصهيونية واستهداف المقاومين حتى بعد التوقيع على هذه الاتفاقيات. وفي لبنان، بعد الضربات الموجعة التي تلقتها من حزب الله، دعت اسرائيل لبنان للمفاوضات بهدف نزع سلاح حزب الله وتحريض الحكومة والشعب اللبناني عليه. هذه المفاوضات هي خديعة في ظل عجز إسرائيل عن تحقيق أطماعها في الاجتياح البري بفضل صمود المقاومين، تسعى لنزع السلاح الذي يواجهها ويوقفها عن تحقيق أطماعها، مستخدمة الخديعة ومشاركة العملاء والمغفلين داخل لبنان. فالمفاوضات، في قاموس العدو، ليست سوى فخ استخباراتي؛ فما لم تأخذه إسرائيل بالحرب، تحاول أخذه بالحوار ثم تنقض على كل شيء دون أن تأبه لأي قرارات أو اتفاقيات. فكثيراً ما يتم الاتفاق على ايقاف القصف المتبادل، ثم تنفرد إسرائيل بالقصف والاغتيالات، مستغلة فترة الهدوء لجمع المعلومات والترتيب لعمليات عسكرية مباغته.

انهم يصرون على سلب المقاومة سلاحها البسيط، بينما يمتلكون ترسانات الدمار الشامل، لان سلاح المقاومة، مهما بدا بسيطاً، لكنه هو ما يمنع الميلة الواحدة التي يخطط لها العدو. هو الدرع الواقي الذي يحول دون استباحة كاملة للأرض والشعب، والمطالبة بنزعه هي دعوة للاستسلام الذي يليه الإبادة. مخيم عين الحلوة يقف شاهداً على هذه الحقيقة؛ فبعد أن جمعت الدولة اللبنانية والسلطة الفلسطينية السلاح من المخيم وسلمته للدولة اللبنانية، قصفته إسرائيل بعد أيام، واستشهد عدد من أبناء المخيم منزوعي السلاح والقوة. أما الضفة الغربية، فهي نموذجاً حياً للدولة العزلاء منزوعة الإرادة والسلاح. السلطة هناك تعتقل المقاومين وتقتلهم لإرضاء الاحتلال. والنتيجة: توسع استيطاني غير مسبوق، اعتداءات يومية للمستوطنين، سلب للأرض، هدم للبيوت، وتدنيس للأقصى، دون أي رد من ما تسمى السلطة الفلسطينية. ف غياب الردع زاد من أطماع العدو وغروره، وهذا هو ما يريدونه لغزة ولبنان. انهم يطالبون حماس وحزب الله بتسليم سلاحهم ذاتي الصنع، بينما يزودون إسرائيل، التي ترتكب أبشع الجرائم وعليها أحكام من الجنايات الدولية، بأفتك الأسلحة. يطالبون بحصر السلاح بيد الدولة في لبنان، بينما يستبيحون الدولة ويقتلون الجيش ولا يسمحون لها بامتلاك قوة تردع إسرائيل. أي دولة هذه التي تُقصف ولا تستطيع الرد؟

إن السلاح الرادع هو صانع السلام الحقيقي، لا العكس. فلولا سلاح غزة ومقاوميها الأبطال، لابتلعتها إسرائيل في غضون أيام. ولولا صواريخ حزب الله، لاجتيحت بيروت. فالسلاح وقوة العزيمة والإرادة والمقاومة هو الذي أجبرهم على التفاوض وطلب وقف إطلاق نار وتبادل أسرى. انهم يستخدمون معادلة: خذ الاتفاق وسلّم السلاح، وهو ما يعني بـ: خذ ورقة، واعطني رقبتك.

في ظل هذا المشهد ، وبينما تهرول بعض الأطراف نحو التطبيع والتنازلات المؤلمة،ومن يصفون حزب الله بالمشكلة المشتركة يخوض مجاهدو حزب الله أشرس المعارك البطولية امام قوة عسكرية صهيونية كبيرة تتكون من عشرات الاف الجنود والعتاد العسكري والطيران الذي يريدون به احتلال اراضي لبنانية وصده رجال حزب الله بايمانهم واسلحتهم البسيطة . وبكل وقاحة، تُطالب بعض الأطراف المحسوبة على الأمة بنزع سلاح حزب الله، سلاح الكرامة والتحرير، الدرع الحصين للأمة.
إنهم يريدون من المقاومة الفلسطينية أن تسلم سلاحها لتتمكن إسرائيل من احتلال بقية الأرض بسلام وإبادة الشعب بلا مقاومة. ويريدون من لبنان سلب سلاح حزب الله ليعود الاحتلال إلى لبنان دون مقاومة.

في الختام نقول: إن كل بند يبدأ بـ سلّم سلاحك هو بند إعدام مؤجل. وكل مفاوضات بلا قوة هي فخ لتحقيق أمنية العدو: {لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ…}.
ان سلاح المقاومة لم يكن يوماً عائقاً أمام السلام، إنما هو صانعه الوحيد. العائق الحقيقي هو العدو الذي يرى في التفاوض استكمالاً للحرب، وفي نزع سلاحك الخطوة الأخيرة قبل الميلة الواحدة. فالسلام الذي لا يحميه سلاح، هو استسلام ما قبل المذبحة الكبرى. ولهذا، فإن سلاح المقاومة هو فريضة شرعية بنص القرآن الكريم، وتركه هو الخطوة الأولى نحو المذبحة وليس نحو السلام.

الكاتبة من اليمن

قد يعجبك ايضا