أموال المقاصة: ورقة ضغط

الكاتب: هبه بيضون  …..

 

تمثّل أموال المقاصة المحتجزة من قبل إسرائيل شرياناً أساسياً للاقتصاد الفلسطيني، إذ تشكّل الجزء الأكبر من إيرادات السلطة الفلسطينية، ما يعادل أكثر من نصف ميزانيتها، واحتجازها يخلق أزمة مالية خانقة تؤثر على قدرة المؤسسات الفلسطينية على دفع الرواتب وتقديم الخدمات الأساسية، لكن يمكن تحويل هذه الأزمة إلى ورقة ضغط على إسرائيل إذا جرى التعامل معها بحنكة سياسية واقتصادية.

إبراز حجم الضرر الإنساني الناتج عن الاحتجاز أمر جوهري، لأنه يكشف أنّ القضية ليست مجرد خلاف مالي أو سياسي، بل أزمة تمس حياة الفلسطينيين اليومية. فالرواتب المتوقفة تعني أنّ مئات آلاف الأسر بلا دخل منتظم، ما يرفع معدلات الفقر والديون ويهدّد الأمن الاجتماعي. كما ينعكس الانكماش المالي على الأمن الغذائي مع ارتفاع الأسعار، ويؤثر على الخدمات الصحية التي تتعطل بسبب نقص التمويل، فيتضرر المرضى والمستشفيات. أما التعليم، فيتراجع مع تأخر رواتب المعلمين وضعف البنية التعليمية، ما يقلّل من جودة العملية التعليمية ويضعف فرص الطلاب المستقبلية في سوق العمل.

هذه الأبعاد الإنسانية تكشف حجم الكارثة التي يفرضها استمرار احتجاز الأموال، وتضعف مؤسسات السلطة الفلسطينية وتزيد احتمالية الاحتجاجات والاضطرابات.

إنّ إبراز هذه الأبعاد أمام المجتمع الدولي يضاعف الضغط على إسرائيل ويجعلها تواجه اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان وممارسة العقاب الجماعي، ما يزيد من احتمالية اضطرارها للإفراج عن الأموال لتجنب تبعات سياسية واقتصادية وأمنية.

كما يمكن تفعيل أدوات الضغط الدبلوماسي عبر الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وربط القضية بالالتزامات الدولية والاتفاقيات الموقعة، بما يخلق بيئة يصعب على إسرائيل تجاهلها.

إلى جانب ذلك، فإنّ استمرار الأزمة يهدّد الاستقرار الأمني في المنطقة، إذ يضعف قدرة السلطة الفلسطينية على إدارة شؤونها وضبط الأوضاع الداخلية، ويزيد من احتمالية اندلاع احتجاجات واضطرابات قد تمتد آثارها إلى الداخل الإسرائيلي. وقد يفتح ضعف المؤسسات الرسمية المجال أمام فراغ أمني تستغله جماعات مسلحة، ما يفاقم التوتر ويهدّد بانفجار الأوضاع، ويضع إسرائيل أمام مخاطر أمنية متزايدة.

هنا يبرز دور السلطة الفلسطينية والمجتمع المدني بتوظيف الأزمة كأداة ضغط، من خلال حملات إعلامية دولية تُظهر أنّ الأموال المحتجزة ليست مجرد أرقام بل حياة يومية لملايين الفلسطينيين، وتنظيم حملات شعبية سلمية تكسب تعاطف الرأي العام العالمي، والتنسيق مع النقابات والاتحادات لإبراز حجم الضرر الذي أصاب قطاعات التعليم والصحة والخدمات. كما يمكن إعادة النظر ببعض أشكال التنسيق الاقتصادي والتجاري بما يجعل استمرار سياسة الاحتجاز مكلفاً لإسرائيل، ورفع دعاوى أمام محاكم دولية ضد الممارسات غير القانونية المرتبطة بالاحتجاز.

إنّ تراكم الأزمات التعليمية والاجتماعية يولد إحباطاً لدى الشباب ويضعف رأس المال البشري، ما يقيّد إمكانيات التنمية ويؤثر على البنية التحتية والخدمات العامة مثل المياه والكهرباء والنقل، ويزيد البطالة ويضعف النمو الاقتصادي.

بهذا المعنى، فإنّ تحويل الأزمة إلى ورقة ضغط فعّالة يتطلب الجمع بين الضغط الدولي، الحملات الإعلامية، الإجراءات القانونية والاقتصادية، وخطوات عملية يقودها المجتمع المدني والسلطة الفلسطينية، بحيث تصبح كلفة الاحتجاز أكبر من كلفة الإفراج، وهو ما قد يدفع إسرائيل في النهاية إلى إطلاق الأموال لتجنب تبعات لا تستطيع مواجهتها.

الأردن

قد يعجبك ايضا