فادي السمردلي يكتب: الإصلاح ليس لافتة تُعلّق بل مسؤولية تُحاسَب
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
👈*المقال يصوّر حالة عامة، وأي تشابه عرضي مع أشخاص أو وقائع حقيقية غير مقصود.*👉*
في كل مرة يُطرح فيها شعار الإصلاح داخل الأحزاب، يرتفع سقف التوقعات لدى القواعد الحزبية والرأي العام ولكن ما يثير القلق حقاً ليس غياب الشعار، بل تحوّله إلى مجرد واجهة إعلامية تُستخدم عند الحاجة، بينما تبقى الممارسات اليومية على حالها فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد البيانات ولا بحجم الخطاب، بل بمدى الالتزام بالأنظمة والتعليمات، وبقدرة المؤسسة على إدارة شؤونها المالية والإدارية بشفافية وانضباط.
الأحزاب التي ترفع راية الإصلاح وتدعيه مطالبة قبل غيرها بأن تكون قدوة في الأداء، لأن من يطالب المجتمع بالإصلاح يجب أن يبدأ بنفسه أولاً فلا يمكن لحزب أن يتحدث عن التحديث وهو عاجز عن إدارة ملفاته الداخلية بطريقة منظمة، أو يتجاهل قواعد العمل المؤسسي عندما تتعارض مع رغبات بعض القيادات فالإصلاح يبدأ من احترام النظام الداخلي، ومن الالتزام بالتعليمات، ومن التعامل مع المال الحزبي باعتباره مسؤولية جماعية لا مساحة للمجاملات أو الاجتهادات الشخصية فيها.
المشكلة التي يلمسها كثير من المتابعين للعمل الحزبي أن بعض المؤسسات تتعامل مع الأنظمة والتعليمات وكأنها نصوص مرنة تُفسَّر حسب المصلحة، لا قواعد ملزمة للجميع وعندما يتحول النظام الداخلي إلى مجرد ورقة تُستخدم عند الحاجة وتُتجاوز عند الرغبة، فإن مفهوم الإصلاح يفقد معناه، لأن أول اختبار حقيقي لأي مؤسسة هو قدرتها على الالتزام بالقواعد التي وضعتها بنفسها.
إن تفعيل الهيئات الرقابية والمجالس والمكاتب التنظيمية ليس إجراءً شكلياً، بل هو صمام الأمان لأي حزب يريد أن يحافظ على تماسكه فهذه الهيئات وُجدت لتراقب الأداء، وتراجع القرارات، وتمنع الخطأ قبل أن يتحول إلى أزمة وعندما تُهمّش هذه المؤسسات أو تُقيّد صلاحياتها، فإن القرار يصبح محصوراً في دائرة ضيقة، وتتحول الإدارة من عمل مؤسسي إلى اجتهاد فردي، وهو ما يفتح الباب أمام الفوضى التنظيمية حتى لو بدا المشهد ظاهرياً مستقراً.
الأحزاب التي تدّعي الإصلاح مطالبة بأن تقدّم نموذجاً مختلفاً في إدارة المال الحزبي فالشفافية المالية ليست خياراً إضافياً، بل شرط أساسي لبناء الثقة فأي تردد في توضيح آليات الصرف أو في تقديم تقارير مالية دقيقة واعتمادها يخلق حالة من الشك، حتى لو لم يكن هناك خلل فعلي فالثقة تُبنى على الوضوح، والوضوح يتحقق عندما تكون الإجراءات المالية واضحة ومعلنة وخاضعة للرقابة.
كذلك، فإن الإدارة الإدارية الرشيدة لا تعني كثرة القرارات، بل تعني سلامة القرار واحترام مساره القانوني فالقرار الذي يصدر دون الرجوع إلى المجالس المختصة، أو دون مراعاة الأنظمة والتعليمات، قد يبدو سريعاً وفعالاً في لحظته، لكنه يضعف المؤسسة على المدى البعيد. العمل المؤسسي يقوم على التشاور، وعلى توزيع الصلاحيات، وعلى الالتزام بالتسلسل التنظيمي، لا على فرض الأمر الواقع.
ومن أكثر الممارسات التي تضعف ثقة الأعضاء في مؤسساتهم فرض القيادات العليا لقراراتها دون الأخذ بالحسبان الأنظمة والتعليمات أو رأي الهيئات المعنية فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بقدرتها على إصدار الأوامر، بل بقدرتها على احترام النظام الذي تعمل في إطاره فعندما يشعر الأعضاء أن القرارات تُفرض عليهم دون نقاش أو دون سند تنظيمي واضح، يتراجع الإحساس بالانتماء، ويحل محله شعور بأن المؤسسة لم تعد تُدار بروح الفريق.
الإصلاح ليس مواجهة بين قيادات وقواعد، ولا صراعاً على الصلاحيات، بل عملية تنظيمية تهدف إلى حماية المؤسسة من الأخطاء فالقيادة الواعية تدرك أن احترام الأنظمة لا يقيّدها، بل يحميها، وأن وجود هيئات رقابية فاعلة لا يضعفها، بل يعزز مصداقيتها أما تجاهل هذه الحقائق، فهو بداية طريق طويل من التراجع، حتى لو تأخر ظهور نتائجه.
في النهاية، الأحزاب التي تدّعي الإصلاح أمام اختبار واضح إما أن تثبت جديتها من خلال الالتزام الصارم بالأنظمة والتعليمات، وتفعيل الهيئات الرقابية، وإدارة المال العام الحزبي بشفافية، واحترام العمل المؤسسي في اتخاذ القرار أو تبقى أسيرة الشعارات، وتدفع ثمن ذلك مع مرور الوقت. فالتجربة أثبتت أن المؤسسات التي تتهاون في قواعدها الداخلية تفقد تدريجياً قدرتها على الإقناع، ومع فقدان الإقناع يبدأ التراجع، ومع التراجع يصبح السقوط مسألة وقت، لا أكثر.
الكاتب من الأردن