حين تسقط الشعارات… وتبقى الإيرادات: أزمة الفصائل الفلسطينية بلا تجميل

بقلم: د. تيسير فتوح حجة  …..

 

الأمين العام لحركة عدالة

في الحالة الفلسطينية الراهنة، لم يعد السؤال يدور فقط حول مواجهة الاحتلال، بل بات يتسع ليشمل أزمة داخلية متراكمة في بنية الفصائل السياسية نفسها، حيث تتراجع المعاني الكبرى التي ارتبطت بالشعارات الوطنية، لصالح واقع أكثر تعقيدًا تحكمه الاعتبارات الإدارية والمالية، وتغيب عنه الرؤية الجامعة.

لقد شكّلت الشعارات السياسية عبر عقود طويلة رافعة أساسية في الوعي الجمعي الفلسطيني، لكنها اليوم تبدو في كثير من الأحيان منفصلة عن الفعل الواقعي، حيث يظهر تباين واضح بين الخطاب المعلن وبين الممارسة الفعلية على الأرض. هذا التباين لم يعد مجرد ملاحظة سياسية عابرة، بل أصبح جزءًا من أزمة ثقة متصاعدة بين الشارع والمؤسسات الحزبية.

في المقابل، برزت أولوية جديدة داخل بعض البنى التنظيمية تتمثل في إدارة الموارد والإيرادات وتسيير الأوضاع اليومية، وهو أمر قد يكون مفهومًا في سياق الضغوط الاقتصادية، لكنه يتحول إلى إشكالية حقيقية عندما يصبح بديلاً عن الفعل السياسي الوطني الجامع، أو عندما يطغى على الهدف المركزي المرتبط بحقوق الشعب وتطلعاته.

إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط تراجع الأداء السياسي، بل تحول الشعار من مشروع تغيير إلى أداة استخدام ظرفي، تُستحضر عند الحاجة وتُهمّش عند غيابها، ما يضعف قيمتها الرمزية ويؤثر على ثقة الجمهور بها.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو الساحة الفلسطينية بحاجة إلى مراجعة عميقة لا تقتصر على الشكل التنظيمي، بل تمتد إلى جوهر الفكرة السياسية ذاتها: ما هو الهدف؟ ومن يخاطب من؟ وكيف تُدار الأولويات بين الوطني والمعيشي، بين الاستراتيجي والآني؟

إن استمرار الانقسام بين الخطاب والممارسة لا يهدد فقط الفصائل، بل ينعكس على مجمل المشروع الوطني، ويجعل القدرة على إنتاج موقف موحد في مواجهة الاحتلال أكثر صعوبة وتعقيدًا.

وفي هذا السياق، تؤكد حركة عدالة أن استعادة التوازن تتطلب إعادة بناء الثقة بين الناس ومؤسساتهم السياسية، عبر وضوح في الرؤية، وشفافية في الإدارة، وربط حقيقي بين الخطاب والممارسة، بما يعيد الاعتبار للفكرة الوطنية بوصفها مشروعًا حيًا لا مجرد شعارات.

إن الفلسطينيين الذين واجهوا التحديات لعقود طويلة، لا يحتاجون إلى شعارات جديدة بقدر ما يحتاجون إلى سياسات صادقة، ومؤسسات قادرة على التعبير عنهم، وقيادة تعيد الاعتبار للهدف الأساسي: الحرية والعدالة والكرامة.

وفي النهاية، فإن تجاوز الأزمة الحالية لا يكون بتجميل الواقع، بل بمواجهته بجرأة، وإعادة تعريف الدور السياسي ليكون في خدمة الإنسان أولًا، لا في إدارة الأزمات فقط.

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا