الصحافة الرخيصة والصحفي الذي يُباع ويُشترى في زمن الاستزلام

بقلم: د. تيسير فتوح حجة …..

الأمين العام لحركة عدالة

لم تكن الصحافة يومًا مجرد مهنة لنقل الأخبار، بل كانت ضمير الشعوب وصوتها الحر، وسلاحها في مواجهة الظلم والتزييف. لكن في زمن الاستزلام، انحدرت بعض المنابر الإعلامية إلى مستويات خطيرة، فتحولت من حارس للحقيقة إلى أداة في يد من يدفع أكثر، ومن منبر وطني إلى سوق تُباع فيه المواقف وتشترى فيه الأقلام.

الصحافة الرخيصة ليست فقط تلك التي تفتقد المهنية، بل هي التي تتخلى عن رسالتها الأخلاقية والوطنية، وتستبدل الحقيقة بالمصلحة، والصدق بالتوجيه، والجرأة بالخضوع. هي صحافة تُفصّل الخبر على مقاس الممول، وتُعيد صياغة الواقع بما يخدم أجندات ضيقة، لا علاقة لها لا بالوطن ولا بالمواطن.

أما الصحفي الذي يُباع ويُشترى، فهو نموذج خطير في هذا المشهد المأزوم. لم يعد همه كشف الحقيقة، بل إرضاء صاحب النفوذ. يتنقل بين المواقف كما يتنقل التاجر بين الأسواق، بلا مبدأ ولا ثبات، يمدح اليوم ويهاجم غدًا وفقًا لما يُملى عليه. هذا النوع من “الصحفيين” لا يسيء للمهنة فقط، بل يضرب ثقة الناس بكل الإعلام، ويُسهم في خلق حالة من الضياع والشك داخل المجتمع.

في فلسطين، حيث المعركة ليست فقط على الأرض بل على الرواية، تصبح خطورة هذا الانحدار مضاعفة. فالإعلام يجب أن يكون في خندق الدفاع عن الحقيقة الوطنية، لا أن يتحول إلى أداة تبرير أو تضليل. وعندما يسقط الإعلام في فخ الاستزلام، فإنه يفتح الباب أمام تزييف الوعي وتشويه النضال، وهو ما يخدم الاحتلال بشكل مباشر أو غير مباشر.

إن حركة عدالة ترى أن إصلاح الواقع الإعلامي ضرورة وطنية، تبدأ بإعادة الاعتبار للصحافة المهنية الحرة، وتعزيز استقلالية الإعلام عن مراكز النفوذ والمال السياسي. كما تدعو إلى محاسبة كل من يسيء للمهنة ويستغلها لتحقيق مكاسب شخصية على حساب الحقيقة.

المعركة اليوم ليست فقط ضد الاحتلال، بل أيضًا ضد كل أشكال الفساد والانحراف، بما فيها الفساد الإعلامي. فالكلمة الحرة لا تُشترى، والصحفي الحقيقي لا يُباع، ومن يفعل ذلك لا يستحق أن يكون جزءًا من هذه المهنة النبيلة.

في زمن الاستزلام، تبقى الحاجة ملحّة لصحافة شجاعة، تنحاز للحقيقة فقط، وترفض أن تكون بوقًا لأي جهة، لأن الأوطان لا تُبنى بالأقلام المأجورة، بل بالكلمة الصادقة التي لا تخاف.

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا