تقدم وتغول المستوطنين وتراجع المواطنين
بقلم د. تيسير فتوح حجة …..
الأمين العام لحزب العمال الفلسطيني
تشهد الضفة الغربية في السنوات الأخيرة حالة غير مسبوقة من تمدد وتغول المستوطنين على حساب الأرض والإنسان الفلسطيني، في ظل تراجع واضح لحضور المواطن الفلسطيني وقدرته على الصمود والحركة والحياة الطبيعية. لم يعد الاستيطان مجرد مشروع بناء وحدات سكنية فوق التلال، بل تحول إلى منظومة سيطرة كاملة تفرض وقائع سياسية وأمنية واقتصادية جديدة تهدد الوجود الفلسطيني برمته.
المستوطن اليوم يتحرك بثقة وقوة، مدعوماً من حكومة الاحتلال، ويحظى بالحماية والسلاح والطرق الالتفافية والبنية التحتية، بينما المواطن الفلسطيني يواجه الحواجز والإغلاقات والاعتداءات اليومية ومصادرة الأراضي وتقييد الحركة والعمل. أصبح الفلاح يخشى الوصول إلى أرضه، والطالب يخاف من طريق جامعته، والعامل يفكر ألف مرة قبل المرور قرب بؤرة استيطانية قد تتحول إلى نقطة اعتداء أو إذلال.
إن أخطر ما في المشهد الحالي ليس فقط تمدد المستوطنات، بل حالة التراجع والإحباط التي أصابت المواطن الفلسطيني نتيجة الانقسام السياسي، وضعف المشروع الوطني، وتراجع الثقة بالقيادات والمؤسسات، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة والبطالة وغياب الأفق السياسي. هذا الواقع خلق فجوة خطيرة بين صمود الناس ومتطلبات الحياة اليومية.
لقد نجح الاحتلال في استغلال الانقسام الفلسطيني والانشغال بالصراعات الداخلية لفرض مشروعه التوسعي، بينما بقي المواطن الفلسطيني وحده في الميدان يدفع الثمن من أمنه ورزقه ومستقبل أبنائه. وما يحدث في القرى المحاذية للمستوطنات من اعتداءات متكررة وحرق للممتلكات واقتلاع للأشجار يؤكد أن الاحتلال يسعى لدفع الفلسطيني نحو الهجرة الصامتة والتراجع التدريجي عن أرضه.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس فقط بيانات إدانة أو خطابات إعلامية، بل إعادة بناء استراتيجية وطنية تقوم على تعزيز صمود المواطن الفلسطيني اقتصادياً واجتماعياً، ودعم القرى والمناطق المهددة، وتوحيد الصف الوطني، وإعادة الاعتبار للمقاومة الشعبية والنقابية والقانونية والدبلوماسية في مواجهة المشروع الاستيطاني.
ويؤكد حزب العمال الفلسطيني أن معركة البقاء على الأرض تبدأ بحماية الإنسان الفلسطيني وحقوقه المعيشية والاجتماعية، لأن المواطن الجائع أو المهمش أو المحبط لا يستطيع خوض معركة الصمود الطويلة. لذلك فإن العدالة الاجتماعية وتعزيز الاقتصاد الوطني ودعم العمال والمزارعين ليست قضايا مطلبية فقط، بل جزء أساسي من معركة التحرر الوطني.
إن تقدم المستوطنين ليس قدراً، وتراجع المواطنين ليس أمراً محتوماً، لكن استمرار الواقع الحالي دون مراجعة وطنية شاملة سيجعل الاحتلال أكثر جرأة والمواطن أكثر إنهاكاً. وما زال الشعب الفلسطيني قادراً على الصمود إذا توفرت له قيادة موحدة ورؤية وطنية تحمي الأرض والإنسان معاً.
الكاتب من فلسطين