فادي السمردلي يكتب:عمان المدينة التي تركض أسرع من سكانها
بقلم فادي زواد السمردلي …….
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
عمّان لم تعد المدينة التي يعرفها أهلها جيدًا هناك شيء تغيّر في إيقاعها، في شكل أيامها، في علاقتها بالناس الذين يعيشون فيها فالمدينة التي كانت تُوصف يومًا بأنها هادئة ودافئة وبسيطة، أصبحت اليوم مرهقة، سريعة، ومزدحمة إلى درجة تجعل كثيرين يشعرون أنهم يركضون طوال الوقت دون أن يصلوا إلى شيء.
المشكلة ليست في الزحام وحده، ولا في عدد السيارات، ولا حتى في اتساع المدينة فالمشكلة أعمق من ذلك بكثير. عمّان أصبحت مدينة تتحرك أسرع من قدرة سكانها على مجاراتها فكل شيء فيها يزداد بسرعة الأسعار، الإيجارات، الاستهلاك، ساعات العمل، الضغط النفسي، وحتى الشعور بالغربة داخل الحياة اليومية.
في الصباح، تبدو المدينة وكأنها تدخل سباقًا جماعيًا فالناس تركض للحاق بالدوام، بالمدارس، بالمواعيد، بالأقساط، وبنهاية الشهر واللافت أن هذا الركض لا يمنح أغلب الناس شعورًا بالتقدم، بل فقط شعورًا متواصلًا بالإرهاق.
قبل سنوات، كانت الحياة في عمّان أبسط والعلاقات الاجتماعية أقرب، الحركة أهدأ، والناس تملك وقتًا أطول للحياة نفسها. اليوم، كثير من سكان المدينة يشعرون أن أيامهم تحولت إلى سلسلة طويلة من الالتزامات والضغوط، وأن المدينة بدأت تسحب منهم أعصابهم بهدوء.
حتى فكرة “الاستقرار” تغيّرت
ففي السابق، كان الموظف أو الشاب الذي يبدأ حياته يعتقد أن بإمكانه مع الوقت أن يؤسس بيتًا ويعيش حياة طبيعية داخل العاصمة واليوم، أصبح كثير من الشباب ينظر إلى أسعار الإيجارات والعقارات وكأنها تخص مدينة أخرى لا يستطيع الوصول إليها.
عمّان تكبر… لكن الناس يشعرون أنهم يضيقون داخلها فالطبقة الوسطى تحديدًا تعيش هذا التحول بشكل قاسٍ فالعائلة التي كانت تستطيع قبل سنوات أن تعيش حياة متوازنة نسبيًا، أصبحت اليوم تعيد حساب كل شيء فالمدينة أصبحت أغلى من قدرة كثير من سكانها على الاحتمال.
لكن التعب في عمّان ليس اقتصاديًا فقط فهناك تعب نفسي واضح في وجوه الناس وتوتر دائم، عصبية أسرع، إحساس بالاستنزاف، وكأن الجميع يحمل عبئًا غير مرئي فوق كتفيه. حتى الأماكن التي كانت تمنح الناس راحة بسيطة، أصبحت مزدحمة، سريعة، ومستهلكة.
الأصعب أن كثيرًا من الناس بدأوا يشعرون بالغربة داخل المدينة نفسها ليس لأنهم لا يحبونها، بل لأنهم لم يعودوا يجدون النسخة التي عرفوها منها فالأحياء تغيّرت، العلاقات تغيّرت، وحتى فكرة “اللمة” التي كانت جزءًا من روح عمّان، أصبحت أضعف تحت ضغط الحياة السريعة.
المدينة التي كانت تمنح الناس شعورًا بالاحتواء، أصبحت عند كثيرين مصدر ضغط يومي ومع ذلك، تبقى العلاقة مع عمّان معقدة فالناس تتعب منها، تشتكي منها، تختنق داخل زحامها، لكنها في النهاية تبقى المدينة التي يحملون فيها ذكرياتهم وأعمارهم ومحاولاتهم الأولى للحياة ولهذا يبدو النقد أحيانًا وكأنه حديث شخص متعب عن شيء يحبهت كثيرًا لكنه لم يعد قادرًا على احتماله بالطريقة نفسها.
عمّان اليوم ليست مدينة سيئة، لكنها، مدينة مرهقة مدينة تضغط على سكانها أكثر مما تمنحهم الراحة ،مدينة تجعل الإنسان يشعر أحيانًا أنه يقضي حياته كلها في محاولة اللحاق بها.
وربما هذه هي الجملة الأكثر دقة لوصف ما يحدث عمّان لم تعد تمشي مع سكانها… بل أصبحت تركض أسرع منهم جميعًا.
الكاتب من الأردن