النكبة: عدالة مؤجلة وفضيحة دولية

الكاتب: هبه بيضون  ….

 

النكبة هي لحظة تأسيسية تكشف البعد العالمي للقضية الفلسطينية، وتفضح عجز النظام الدولي عن حماية الحقوق، وتُظهر التناقض بين النصوص القانونية والواقع السياسي. فمنذ صدور القرار (194) الذي نص بوضوح على حق العودة للّاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وتعويضهم، ظل هذا الحق معلقاً في فضاء الشرعية الدولية بلا آلية تنفيذية، ليصبح مثالاً صارخاً على عدالة معلّقة تحوّلت إلى ظلم دائم.

إنّ ازدواجية المعايير تتجلى بوضوح بالنكبة. فبينما تحرك المجتمع الدولي سريعاً ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا أو جرائم الحرب في البوسنة، بقي عاجزاً أمام استمرار التهجير والاستيطان في فلسطين. هذا التناقض لا يكشف فقط ضعف المؤسسات الأممية، بل يفضح أيضاً أنّ الشرعية الدولية تخضع لموازين القوى أكثر مما تخضع لمبادئ العدالة.

النكبة ليست مأساة فلسطينية فحسب، بل اختبار لمصداقية النظام العالمي بأسره. فهي تضع الأمم المتحدة ومجلس الأمن أمام سؤال وجودي: ما جدوى القانون الدولي إذا كان عاجزاً عن حماية شعب من الاقتلاع والحرمان من العودة؟ إنّ استمرار النكبة حتى اليوم عبر سياسات الاستيطان والتهجير والحصار يثبت أنّ ما بدأ عام 1948 لم ينتهِ، بل تحوّل إلى سياسة استعمارية منهجية تحت أنظار العالم.

لقد صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 30 تشرين الثاني 2022 على قرار يطلب من شعبة حقوق الفلسطينيين فيها تكريس أنشطتها في عام 2023 لإحياء الذكرى الخامسة والسبعين للنكبة. حظي القرار بتأييد (90) دولة، بينما عارضته (30) دولة وامتنعت (47) أخرى عن التصويت. هذا التصويت منح الشرعية لتنظيم فعاليات رسمية داخل مقر الأمم المتحدة، وهو ما لم يحدث منذ عام 1948.

وهكذا، أُحييت ذكرى النكبة رسمياً داخل مقر المنظمة الدولية في نيويورك عام 2023، ولأول مرة منذ تأسيسها، كان ذلك اعترافاً أممياً بالنكبة كحدث تاريخي وسياسي، وأُقيمت فعاليات رسمية وثقافية. لكن هذا الاعتراف بقي رمزياً، بلا إجراءات عملية لإنهاء الاحتلال أو ضمان حق العودة. بهذا المعنى، النكبة ليست مجرد ذكرى، بل فضيحة سياسية للنظام الدولي الذي يرفع شعارات العدالة وحقوق الإنسان بينما يعجز عن تطبيقها في فلسطين.

إنّ الكتابة عن النكبة اليوم تعني مواجهة حقيقة أنّ القانون الدولي فقد جزءاً من مصداقيته بسبب عجزه عن إنصاف الفلسطينيين، وأنّ استمرار هذا العجز يهدّد ليس فقط القضية الفلسطينية، بل ثقة الشعوب كلها بالمؤسسات الأممية. النكبة إذن مرآة تكشف حدود الشرعية الدولية، وتذكّر العالم بأنّ العدالة التي لا تُنفّذ تتحول إلى ظلم دائم.

النكبة ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، بل قضية كل إنسان يؤمن بالعدالة. إنّ الصمت أمام استمرارها يعني قبول عالم تُفرغ فيه القوانين من معناها، وتُترك الشعوب بلا حماية. الدفاع عن فلسطين اليوم هو دفاع عن مصداقية القيم التي يحتاجها الجميع كي لا يتحول الظلم إلى قاعدة.

[email protected]

قد يعجبك ايضا