فادي السمردلي يكتب: 62% من الاكتفاء الذاتي الزراعي و5 تحديات تهدد الاستدامة في الأردن

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

أعاد وزير الزراعة الأردني صائب الخريسات فتح ملف الأمن الغذائي في المملكة بعد إعلانه وصول الأردن إلى 62% من الاكتفاء الذاتي في المحاصيل الزراعية، في رقم يعكس تحسناً واضحاً مقارنة بالسنوات الماضية، ويعطي انطباعاً بأن القطاع الزراعي بدأ يستعيد جزءاً من قدرته على الصمود داخل واحدة من أكثر البيئات شحاً بالمياه في العالم.

لكن خلف هذا الرقم، تقف أسئلة ثقيلة لا تظهر عادة في التصريحات الرسمية فالأردن لا يخوض معركة إنتاج غذاء فقط، بل يخوض معركة بقاء بين الأمن الغذائي والأمن المائي، وبين الحاجة إلى زيادة الإنتاج وبين محدودية الموارد التي تقترب من حدودها الحرجة.

ورغم أن الحكومة تتحدث عن “الزراعة الذكية” ورفع كفاءة الإنتاج واستخدام التكنولوجيا الحديثة، إلا أن الواقع الزراعي ما يزال يواجه تحديات معقدة قد تجعل الحفاظ على هذا المستوى من الاكتفاء أصعب بكثير من الوصول إليه.

التحدي الأول يبدأ من المياه… العقدة الأكبر في الأردن فالمملكة تُصنف من أفقر دول العالم مائياً، ومع ذلك يحتاج القطاع الزراعي إلى كميات ضخمة من المياه للاستمرار والمشكلة لم تعد فقط في قلة الأمطار، بل في الضغط المتزايد على المياه الجوفية، والتي تُستنزف في بعض المناطق بوتيرة تفوق قدرتها الطبيعية على التجدد وهذا يعني أن أي توسع زراعي غير محسوب قد يتحول مستقبلاً إلى عبىء بيئي خطير.

أما التحدي الثاني، فهو محدودية الأراضي الزراعية نفسها الأردن ليس بلداً يمتلك مساحات واسعة قابلة للزراعة، كما أن التوسع العمراني يلتهم سنوياً أجزاء من الأراضي الخصبة، خصوصاً في المناطق القريبة من المدن. وفي المقابل، ترتفع كلفة الإنتاج الزراعي بشكل مستمر، من أسعار الطاقة إلى النقل والأسمدة والأيدي العاملة، مما يضع المزارع الأردني تحت ضغط اقتصادي قاسٍ.

التحدي الثالث يرتبط بالاعتماد الكبير على الاستيراد في السلع الاستراتيجية صحيح أن الأردن حقق تقدماً في الخضراوات وبعض المنتجات الطازجة، لكنه ما يزال يعتمد بشكل أساسي على الخارج في القمح والأعلاف والزيوت والسكر وهذه ليست مجرد سلع عادية، بل مواد تمثل العمود الفقري للأمن الغذائي الحقيقي فأي اضطراب عالمي، أو ارتفاع كبير في الأسعار، أو أزمة إقليمية، يمكن أن ينعكس فوراً على السوق المحلي.

ثم يأتي التحدي الرابع التغير المناخي فالمواسم الزراعية لم تعد مستقرة كما كانت فموجات الحر أصبحت أطول، والأمطار أكثر اضطراباً، والجفاف يضغط على الإنتاج عاماً بعد آخر وهذا يضع القطاع الزراعي أمام واقع جديد لا يمكن التعامل معه بالأدوات التقليدية فحتى التكنولوجيا الزراعية لن تكون كافية إذا استمرت الظروف المناخية بالتدهور بهذه الوتيرة.

أما التحدي الخامس، وربما الأخطر، فهو الاستدامة نفسها
فالسؤال الحقيقي لم يعد هل يستطيع الأردن رفع نسبة الاكتفاء؟ بل هل يستطيع الحفاظ عليها دون استنزاف موارده المحدودة؟

فهناك فرق كبير بين تحقيق إنجاز مؤقت، وبين بناء نموذج زراعي قادر على الاستمرار لعقود فكثير من الدول رفعت إنتاجها الزراعي لفترات قصيرة، لكنها دفعت لاحقاً ثمناً باهظاً نتيجة إنهاك المياه والتربة وارتفاع الكلفة البيئية.

لهذا، فإن رقم 62% يجب أن يُقرأ بحذر، لا باعتباره نهاية الطريق، بل بداية مرحلة أكثر حساسية فالأردن نجح حتى الآن في تحسين كفاءة إنتاجه الزراعي، لكنه ما يزال يقف داخل معادلة صعبة كيف ينتج غذاء أكثر… بمياه أقل؟

الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل الزراعة، بل شكل الأمن الغذائي الأردني خلال السنوات المقبلة.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا