السردية ليست شوربة شعيرية
بقلم العميد المتقاعد هاشم المجالي ……………..
خرج علينا هذه الأيام قومٌ ما تركوا شيئًا في البلاد إلا وأدخلوه في “السردية”، حتى خشيتُ أن أفتح الثلاجة يومًا فأجد اللبن الرائب يناقش الهوية الوطنية، وتجد علبة السمنة تختلف مع كيس الأرز حول مَن أسهم أكثر في بناء الدولة!
وأصبحت السردية عند بعضهم كـ”شوربة الشعيرية”؛ كلُّ من مرَّ بالمطبخ ألقى فيها حفنةً من عنده، هذا يضيف ملحًا من قريته، وذاك يسكب فلفلًا من عشيرته، وثالث يرشُّ عليها بهارات الجغرافيا، ثم يجلس الجميع حول القدر يتخاصمون: مَن صاحب الوصفة الأصلية؟
يا سادة… السردية الوطنية ليست وليمةً موسمية تُطهى على عجل، وليست منشورًا حماسيًا يُكتب بعد منتصف الليل ثم يُوزَّع صباحًا على المجالس والهواتف.
السردية وطن. والأوطان لا تُبنى بالثرثرة، بل بالوثيقة، والتضحية، والعرق، ودم الشهداء الذين لم يسألوا وهم يدافعون عن البلاد: من أي مدينة أنت؟ ولا لأي عائلة تنتمي؟ كانوا يعرفون شيئًا واحدًا فقط: أن الوطن أكبر من الجميع.
وما أعجب هذا الزمان! ترى الرجل لم يقرأ كتابًا في تاريخ الأردن، ولم يطّلع على وثيقة، ولم يزر أرشيفًا، لكنه يتحدث عن “السردية” كما كان شاهدًا على تأسيس الإمارة، وكأن الأمير استشاره شخصيًا في بناء الدولة!
ثم يأتيك آخر في المجالس، يروي القصص رواية الواثق العليم، فإذا طلبت منه مصدرًا، قال لك: “سمعتها من الوالد”، فإذا سألت: وأين سمعها الوالد؟ قال: “في سهرةٍ عام 1987”! وهكذا تتحول المجالس إلى دور نشر، وتصبح الإشاعة مرجعًا، والظنُّ تاريخًا، والانفعالُ بحثًا أكاديميًا.
السردية الأردنية ليست “أنا”، ولا “نحن أبناء المنطقة الفلانية”، ولا “نحن أصحاب الفضل وحدنا”. السردية الحقيقية تبدأ حين يقول الأردني: “نحن الوطن”.
أما الذين يحوّلون الوطن إلى حصصٍ متنازعٍ عليها، فهؤلاء لا يكتبون سردية، بل يطبخون شوربة شعيرية… كثيرة الماء، قليلة القيمة، وسريعة البرودة.
الكاتب من الأردن