حوارات الطرشان في زمن الخرسـان

بقلم د. تيسير فتوح حجة  …..

 

الأمين العام لـ حزب العمال الفلسطيني

في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات بالضجيج، والحقيقة بالشعارات، أصبحت الساحة الفلسطينية تعيش حالة من “حوارات الطرشان”؛ الجميع يتحدث، لكن لا أحد يسمع، والجميع يدّعي امتلاك الحقيقة، بينما الوطن يزداد غرقاً في الانقسام والتآكل السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

الفصائل تتبادل الاتهامات، والسلطة والمعارضة تدوران في حلقة مفرغة من الخطابات المتكررة، والشعب الذي دفع أثمان الحروب والحصار والبطالة والهجرة بات مجرد متفرج على مشهد سياسي عاجز عن إنتاج أي مشروع وطني جامع. حوارات طويلة، اجتماعات لا تنتهي، بيانات وتصريحات، لكن دون نتائج حقيقية تلامس حياة الناس أو تحفظ كرامتهم الوطنية والاجتماعية.

الأخطر من ذلك، أننا نعيش أيضاً “زمن الخرسان”، حيث الصمت أمام القضايا الكبرى أصبح سياسة، والصوت الحر أصبح تهمة، والنقد الوطني يُفسَّر على أنه خروج عن الصف أو تشكيك بالثوابت. كثيرون يعرفون الحقيقة لكنهم يختارون الصمت خوفاً أو مصلحة، فيما يدفع الشعب وحده ثمن هذا العجز الجماعي.

إن القضية الفلسطينية اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الخطب العاطفية، بل إلى مراجعة وطنية شاملة تعترف بالأخطاء قبل البحث عن شماعات للفشل. فالمقاومة دون رؤية سياسية تتحول إلى استنزاف، والسلطة دون مشروع وطني تتحول إلى إدارة أزمة دائمة، والمعارضة دون بديل حقيقي تبقى مجرد حالة احتجاج صوتي.

إن المطلوب اليوم هو إعادة الاعتبار للإنسان الفلسطيني؛ للعامل، والموظف، واللاجئ، والشاب العاطل عن العمل، وللأسر التي أنهكها الغلاء والفقر والانتظار. فالوطن لا يُبنى بالشعارات وحدها، بل بالعدالة الاجتماعية، والديمقراطية، واحترام كرامة المواطن، وبناء اقتصاد وطني يحمي الناس لا أن يتركهم فريسة للفقر والتبعية.

ومن هنا يؤكد حزب العمال الفلسطيني أن الخروج من هذا النفق يتطلب حواراً وطنياً حقيقياً يسمع فيه الجميع بعضهم البعض، لا حوارات شكلية لتقطيع الوقت أو إعادة إنتاج الأزمة. كما يتطلب تجديداً حقيقياً للقيادات والأدوات والخطاب السياسي بما ينسجم مع تطلعات الأجيال الجديدة التي فقدت ثقتها بمعظم القوى التقليدية.

فالوطن لا يحتمل مزيداً من الصراخ بين الطرشان، ولا مزيداً من الصمت في زمن الخرسان. الوقت يمر، والتاريخ لا يرحم، والشعوب التي لا تواجه أخطاءها بشجاعة تبقى أسيرة أزماتها حتى تنهار من الداخل.

الكاتب من فلسطين

قد يعجبك ايضا