فادي السمردلي يكتب: هل تغيّر العقود الإلكترونية ميزان القوة داخل المدارس؟
بقلم فادي زواد السمردلي ……
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث* #اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
لم يعد الجدل حول العقود الإلكترونية مجرد نقاش إداري أو تحديث تقني داخل قطاع التعليم الخاص، بل تحوّل إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين المعلم والمدرسة، ومن يملك القوة الحقيقية داخل هذه المنظومة.
لسنوات طويلة، عاش كثير من معلمي القطاع الخاص حالة من القلق المهني الصامت ،عقود غير مستقرة، رواتب متفاوتة، خوف دائم من إنهاء الخدمة، وشعور مستمر بأن المعلم هو الحلقة الأضعف، حتى وهو يحمل على كتفيه مسؤولية صناعة الأجيال.
اليوم، تدخل العقود الإلكترونية المشهد باعتبارها خطوة تقول الحكومة إنها تهدف إلى تنظيم العلاقة وحفظ الحقوق ومنع التلاعب ولكن داخل أروقة المدارس وغرف المعلمين، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا.
بعض المعلمين يرون في هذه العقود بداية حقيقية نحو حماية طال انتظارها ، توثيق رسمي، وضوح في الرواتب، تقليل فرص الاستغلال، وإثبات قانوني للعلاقة الوظيفية وبالنسبة لكثيرين، الفكرة بحد ذاتها تمنح شعورًا بأن الدولة بدأت ترى ما يحدث داخل هذا القطاع الذي ظل لسنوات بعيدًا عن الضوء.
لكن في المقابل، هناك من يخشى أن تتحول العملية إلى عبىء إداري جديد، أو إلى مواجهة صامتة بين أصحاب المدارس والجهات المنظمة فبعض المدارس الخاصة تتحدث عن ضغوط تشغيلية متزايدة، وارتفاع الكلف، وتعقيدات إضافية في بيئة تعليمية تعاني أصلًا من منافسة صعبة وأوضاع اقتصادية مرهقة.
وبين الطرفين، يقف المعلم محاولًا فهم موقعه الحقيقي
هل أصبح أكثر حماية؟
أم أن القلق ما يزال نفسه، لكن بصيغة إلكترونية هذه المرة؟
القضية هنا ليست مجرد “عقد”. القضية تتعلق بشعور شريحة واسعة من المعلمين بالأمان الوظيفي والكرامة المهنية فالمعلم الذي يدخل الصف كل صباح ليزرع الثقة والمعرفة في الطلاب، يريد بدوره أن يشعر أن حياته ليست معلقة بنهاية فصل دراسي أو قرار إداري مفاجئ.
المشكلة الأعمق أن التعليم الخاص في الأردن لم يعد فقط مساحة تربوية، بل أصبح أيضًا ساحة ضغط اقتصادي ومعيشي فكثير من المعلمين لا يتحدثون عن رفاهية أو امتيازات، بل عن أساسيات الحياة راتب مستقر، ضمان اجتماعي، تأمين، واحترام مهني يوازي حجم الدور الذي يقومون به.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن بعض المدارس الخاصة تواجه بدورها تحديات حقيقية من ارتفاع التكاليف التشغيلية إلى المنافسة الحادة وتراجع القدرة الشرائية لدى الأهالي وهذا ما يجعل أي قرار تنظيمي جديد يدخل مباشرة في منطقة حساسة تمس توازن القطاع كله.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط هل العقود الإلكترونية جيدة أم سيئة؟
بل هل يمكن إعادة بناء العلاقة بين المدرسة والمعلم على أساس أكثر عدالة واستقرارًا؟
لأن أي نظام تعليمي لا يشعر فيه المعلم بالأمان، يبقى نظامًا مهددًا بالاستنزاف مهما بدا ناجحًا من الخارج.
وفي النهاية، قد تكون العقود الإلكترونية خطوة مهمة، لكنها وحدها لا تكفي فالمعلم لا يبحث فقط عن توقيع موثق، بل عن شعور حقيقي بأنه شريك في بناء المستقبل، لا مجرد موظف يمكن استبداله بسهولة.
فالمدرس الذي يعلّم أبناء الناس، يريد أيضًا أن يطمئن على حياته، وراتبه، ومستقبله… لا أن يبقى كل عام دراسي بالنسبة له اختبارًا جديدًا للبقاء.
الكاتب من الأردن