العولمة اللونية (الأزرق والزهري)… بين اسطورة بصرية وثقافة اجتماعية

د. منى النحلاوي  …..

 

ليست الألوان مجرد درجات بصرية نراها بالعين، بل هي لغة ثقافية تتغير عبر الزمن، وتحمل معاني تختلف من مجتمع إلى آخر. فما نعتبره اليوم “طبيعيًا” في ربط اللون الزهري بالأنثى، والأزرق بالذكر، ليس حقيقة بيولوجية ثابتة، بل بناءٌ اجتماعي وثقافي تشكّل تدريجيًا عبر التاريخ.
قديمًا، لم تكن الألوان تُقسَّم بهذه الصرامة بين الجنسين. ففي كثير من المجتمعات، كان الأطفال يرتدون الملابس البيضاء عند الولادة بغضّ النظر عن جنسهم، لكونها عملية وسهلة التنظيف والتبييض. كما عرفت بعض الثقافات ألوانًا محايدة دون هذا التصنيف الحاد بين “ألوان ذكورية” و”ألوان أنثوية”.
وفي اليابان، ارتبط اللون الوردي بأزهار الكرز التي ترمز إلى قِصر الحياة وجمالها العابر، وهي معانٍ ارتبطت بثقافة الشجاعة والمحاربين. أما في أوروبا خلال بدايات القرن العشرين، فقد كان الوردي يُعد أحيانًا لونًا قويًا مشتقًا من الأحمر، لذلك استُخدم للأولاد، بينما اعتُبر الأزرق لونًا هادئًا ورقيقًا يناسب الفتيات في بعض الفترات.
لكن مع صعود العولمة وثقافة التسويق والإعلانات، تغيّرت المعايير البصرية تدريجيًا، حتى أصبحت المجتمعات تتعامل مع الأزرق وكأنه “اللون الطبيعي للذكور”، والزهري وكأنه “الهوية البصرية للإناث”. ومع الوقت، تحوّل هذا التصنيف من مجرد ذوق اجتماعي إلى ما يشبه القاعدة غير المعلنة، بحيث يُنظر إلى الخروج عنها أحيانًا باعتباره أمرًا غير مألوف اجتماعيًا.
إن ارتباط الألوان بالجنس ليس قانونًا كونيًا، بل هو انعكاس لتحولات ثقافية وتجارية وإعلامية متغيرة. فاللون في جوهره لا يحمل هوية بيولوجية، وإنما يكتسب معناه من المجتمع الذي يستخدمه.
ويبقى السؤال الأهم:
هل نحن على أعتاب تغيير بصري جديد يعيد تعريف علاقة الإنسان بالألوان؟ أم أننا سنبقى عالقين داخل ما يمكن تسميته بـ “رحم العولمة اللونية”، حيث تتحول الألوان من حرية جمالية إلى قوالب اجتماعية جاهزة؟

باحثه فى القضايا الاجتماعية

الكاتبة أردنية تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

قد يعجبك ايضا