فادي السمردلي يكتب: الغش الإلكتروني عندما تتحول التكنولوجيا إلى وسيلة للخداع

بقلم فادي زواد السمردلي  ……

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

بدأت القصة من خبرٍ يبدو عاديًا في ظاهره القبض على أشخاص يروّجون ويبيعون أدوات غش إلكترونية لطلبة، لكن ما خلف هذا الخبر ليس مجرد مخالفة قانونية عابرة، بل نافذة صغيرة على واقعٍ أكبر وأكثر إزعاجًا مما نحب أن نعترف به فحين تتحول “سماعة صغيرة” أو جهاز مخفي لا يُرى بالعين إلى وسيلة للنجاح داخل قاعة الامتحان، فنحن لا نتحدث عن غش فردي فقط، بل عن خلل يتسرب بهدوء إلى فكرة التعليم نفسها.

لم يعد الغش كما كان يُروى قديمًا عن أوراق صغيرة تُخفى في الأكمام أو نظرات سريعة بين الطلبة ، اليوم تغيّر المشهد تمامًا أدوات دقيقة، تقنيات اتصال خفية، وتسويق إلكتروني يقدّم هذه الوسائل وكأنها حلول ذكية للنجاح السريع والأخطر من ذلك أن الوصول إليها لم يعد يحتاج أكثر من هاتف وبحث قصير، لتظهر أمام الطالب عشرات العروض التي تبيع “النجاح” جاهزًا، بلا تعب ولا جهد.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة كيف وصلنا إلى هنا؟

الحقيقة أن ما يحدث ليس نتيجة سبب واحد فهناك ضغط دراسي متراكم، خوف من الرسوب، سباق محموم على المعدلات، ومجتمع يربط النجاح الرقمي بالقيمة الشخصية للطالب ففي هذا المناخ، يصبح بعض الطلبة أكثر عرضة للبحث عن أي طريق مختصر، حتى لو كان خاطئًا ومع الوقت، يتحول الخطأ من استثناء إلى سلوك يتكرر، ثم إلى ظاهرة تبدأ في التوسع بصمت.

غير أن أخطر ما في هذه القضية ليس الأجهزة نفسها، بل الفكرة التي تقف خلفها بأن النجاح يمكن شراؤه فهذه الفكرة إذا ترسخت، فهي لا تضر الامتحان فقط، بل تضعف معنى الجهد، وتفرغ الشهادة من قيمتها، وتخلق جيلاً يعتاد على تجاوز الطريق بدل السير فيه.

ولا يمكن النظر إلى الطالب وحده كأنه المشكلة فهناك أطراف أخرى في الصورة مروّجون يحولون الغش إلى تجارة، ضغط اجتماعي لا يرحم، ونظام تعليمي يحتاج إلى مراجعة في بعض جوانبه ليخفف من حالة التوتر المزمنة التي يعيشها الطلبة إنها شبكة معقدة، لا يمكن تفكيكها بقرار واحد أو عقوبة فقط.

ومع ذلك، تبقى المسؤولية الأخلاقية حاضرة وبقوة لأن كل طالب يختار هذا الطريق، لا يسرق علامة فقط، بل يسرق فرصة حقيقية لاختبار نفسه فيختصر تجربة كان يمكن أن تبني شخصيته، ويستبدلها بلحظة نجاح زائفة قد تكلفه لاحقًا الكثير.

أما الجهات المعنية، فمهما شددت الرقابة، ستبقى المواجهة ناقصة ما لم تترافق مع وعي حقيقي داخل المدارس والبيوت وعي يجعل الطالب يفهم أن الامتحان ليس حربًا يجب الفوز بها بأي طريقة، بل محطة قياس صادقة لما تعلمه فعلًا.

في النهاية، التكنولوجيا ليست عدوًا فهي مجرد أداة، يمكن أن تبني عقولًا أو تهدمها حسب من يستخدمها وكيف وبين الاستخدام الصحيح والانحراف بها، تضيع أحيانًا الحدود عند البعض، وتصبح سماعة صغيرة كافية لتلويث معنى كبير اسمه “النجاح”.

ويبقى السؤال الأهم معلقًا.هل نريد جيلًا يتقن اجتياز الامتحان، أم جيلًا يتقن فهم الحياة؟

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا