فادي السمردلي يكتب: هل يجوز أن تُدار حسابات حكومية رسمية من خارج الحدود؟!
بقلم فادي زواد السمردلي ……
* مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
هذا السؤال لم يعد ترفًا إعلاميًا ولا نقاشًا نظريًا فنحن أمام قضية تمس جوهر مفهوم الدولة في العصر الرقمي من يملك السيطرة على صوتها الرسمي؟ ومن يملك مفاتيح واجهتها الإلكترونية التي تخاطب المواطنين باسمها؟
عندما نتحدث عن حساب رسمي تابع لجهة حكومية، فنحن نتحدث عن امتداد مباشر لهيبة الدولة وصورتها أمام جمهورها فهذه الحسابات ليست صفحات عادية، ولا أدوات تواصل اجتماعي عابرة، بل هي منصات رسمية تُنشر عبرها بيانات، توجيهات، إعلانات، وأحيانًا رسائل تمس حياة الناس اليومية بشكل مباشر وبالتالي، فإن إدارة هذه الحسابات يجب أن تخضع لأعلى درجات الانضباط والرقابة، لا لاجتهادات فردية أو ترتيبات غير واضحة.
المقلق في القضية ليس فقط فكرة أن تكون هناك صلاحيات إدارة خارج حدود الدولة، بل غياب الشفافية حول هذه الصلاحيات أصلًا كيف مُنحت؟ ولماذا؟ ومن وافق عليها؟ وهل توجد آلية واضحة لمراجعتها أو سحبها عند انتهاء الحاجة إليها؟ هذه ليست أسئلة ثانوية، بل أسئلة تمس صميم الأمن المؤسسي والرقابة الإدارية.
في عالم الأمن السيبراني الحديث، لا يُنظر إلى “من يدير الصفحة” كمسألة بسيطة فكل صلاحية وصول هي مفتاح، وكل مفتاح هو مسؤولية، وكل مسؤولية يجب أن تكون موثقة ومحددة ومراقبة فلا مكان في الأنظمة الحكومية الجادة لفكرة الصلاحيات المفتوحة أو غير المراجعة، لأن الخطأ هنا لا يعني منشورًا غير مناسب فقط، بل قد يعني تسريبًا، أو تلاعبًا، أو إساءة استخدام لواجهة الدولة الرسمية.
الأخطر من ذلك أن الاعتماد على أطراف خارجية في إدارة الحسابات الحكومية—سواء كانت شركات أو أفراد أو جهات متعاقدة—دون إطار رقابي صارم، يفتح الباب أمام حالة من الضبابية الخطيرة ومع الوقت، تتحول هذه الضبابية إلى واقع طبيعي، وتصبح الأسئلة البديهية عن “من يدير ماذا” أسئلة متأخرة.
السيادة الرقمية اليوم لم تعد شعارًا نظريًا فهي قدرة الدولة على التحكم الكامل في بياناتها، منصاتها، وصورتها الرقمية دون أي اختراق في الإدارة أو القرار وعندما تصبح هذه السيطرة غير واضحة أو قابلة للتشكيك، فإننا لا نتحدث عن خلل تقني فقط، بل عن خلل في بنية الثقة المؤسسية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس الاختراق الخارجي، بل التراخي الداخلي في إدارة الصلاحيات فالدول لا تفقد سيادتها الرقمية دفعة واحدة، بل تفقدها تدريجيًا، عبر تراكمات صغيرة صلاحيات قديمة لم تُلغَ، حسابات لم تُراجع، وصولات لم تُدقق، واعتماد مفرط على أطراف لا تخضع لنفس مستوى الرقابة.
وهنا يصبح السؤال أكثر حدة من أي وقت مضى هل يجوز أن تبقى مفاتيح الواجهة الرسمية للدولة خارج السيطرة الدقيقة والمباشرة للدولة نفسها، ولو بشكل جزئي أو مؤقت، دون مراجعة صارمة ومحاسبة واضحة؟
الإجابة ليست خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية لأي دولة تحترم مفهوم سيادتها في العصر الرقمي.
الكاتب من الأردن