حفلات التسلية ومواكب النجاة
بقلم العميد المتقاعد هاشم المجالي ………………
يا سادة يا كرام، لا تقلقوا على الشباب، فكل شيء بخير والحمد لله. صحيح أن الشاب يبحث عن وظيفة كما يبحث البدوي عن قطرة ماء في صحراء تموز، وصحيح أن راتبه إن وجده لا يكفيه إلى منتصف الشهر، لكن هذه تفاصيل صغيرة لا تستحق الانشغال.
المهم أن المسرح مضاء، والموسيقى مرتفعة، والكاميرات جاهزة، والابتسامات الرسمية موزعة بالتساوي على الحضور.
زمان كان الناس يسألون: كيف نوفر فرص العمل؟ وكيف نحسن التعليم؟ وكيف نكافح الفقر؟
أما اليوم فقد تطور الفكر الإداري بإختيار المسؤولين في إعتلاء المناصب من خلال نشاطهم وإبداعهم في الإجابة على الأسئلة التالية : كم حفلة فاضحة سيُحيِّ ، وكم عارية ومنحرف وشاذ سيحضر ، وكم لقطة جنسية ساخنة ستلتقط ،وكم مطرباً سيحيي الحفل؟ وكم لعبة نارية ستنفجر في السماء؟
الشباب الذي قضوا سنوات يحملون الشهادت ويجوبون من دائرة إلى دائرة، ومن منصة إلى منصة، قد اكتشفوا أخيراً أن شهاداتهم لا تصلح إلا إطاراً جميلاً يعلقونها على الجدران . أما الوظيفة فقد أصبحت عندهم مثل تحديد ليلة القدر برمضان ؛ يسمع الناس عنها كثيراً ولا يراها أحد في هذا الزمان .
وإذا اشتكوا الشباب من ضيق الحال قيل لهم : لا تكونوا سلبيون ، احضروا الحفلات وانسوا همومكم .
وكأن الجوع يعالَج بالأغاني، والإيجار يُدفَع بالتصفيق، وفاتورة الكهرباء تسقط بمجرد سماع النشيد الافتتاحي.
العجيب أن بعض المسؤولين يتحدثون عن الشباب كما يتحدث الرحالة عن قبيلة بعيدة لم يزرها قط. يعرفون عدد الحضور في المهرجانات بالدقة، لكنهم لا يعرفون عدد الذين يستيقظون كل صباح وهم يبحثون عن فرصة عمل فلا يجدون.
فصرنا نعيش زمناً غريباً؛ كلما ضاقت المعيشة اتسعت منصات الإحتفالات والمهرجانات ، وكلما ازدادت الشكوى ارتفعت مكبرات الصوت، حتى ظن بعض الناس أن حل المشكلات ليس بمعالجتها، بل بإغراقها في الضجيج.
ولست أقول إن الفرح خطيئة، ولا إن الحفلات جريمة، فالناس تحتاج إلى الفرح كما تحتاج إلى الخبز. لكن المصيبة أن يتحول الفرح إلى سياسة، والحفل إلى برنامج اقتصادي، والمهرجان إلى جواب جاهز لكل سؤال.
فالوطن لا يبنى بالأضواء وحدها، ولا بالأغاني وحدها، ولا بالخطب الرنانة وحدها. الوطن يبنى حين يشعر الشاب أن له مكاناً فيه، وأن تعبه لن يضيع، وأن مستقبله ليس نكتة يتداولها الناس في المقاهي.
أما إذا ظل الواقع كما هو، واستمرت الأوركسترا تعزف فوق أصوات الوجع والألم ، فسنصل إلى يوم يصبح فيه المواطن نفسه حفلة متنقلة: يضحك في الصورة، ويصفق في المناسبة، ثم يعود إلى بيته حاملاً همومه القديمة نفسها، لكن مع تذكرة دخول جديدة.
اتقوا الله في شبابنا. اتقوا الله في ديننا ، اتقوا الله في وطننا ، وهل الإنحراف الأخلاقي والشذوذ الجنسي والقهر الشبابي يقل خطورة عن جرائم الإغتصاب والزنا والسرقة والسطو المسلح والنصب والإحتيال وتجارة وتعاطي المخدرات وخيانة الوطن .
الكاتب من الأردن