عبد السلام جليــط: “إشكالية الهوية” عند إدوارد سعيد

عبد السلام جليــط
من الناحية المنهجية يقتضي الحديث عن هذا الموضوع بالخصوص (الهوية) أولا تعريف هذا المفكر الذي يحمل اسم “إدوارد سعيد” ومن يكون !، غير أنّ التعريف بحدّ ذاته يرتبط بالهوية “فتعريف شيء ما أو شخص ما هو تحديد لهويته؛ أي لخصائصه الجوهرية التي تميزه عن سواه” ولكن عندما يتعلق الأمر بــ” إدوارد سعيد” بالذات يصبح تعريفه غاية في الصعوبة وتحديد هويته أمرا إشكاليا ومستعصيا، فهل يمكننا اختصاره في تعريف نحصر فيه هويته من خلال عناصر محددة، ثابتة ونهائية؟ وهو الذي كان دوما ضد فكرة الثبات في مسألة الهوية بالضبط، وقد ظلّ يـردّد طويلا “لا أُعرّف نفسي، لئلاّ أضيعها، وأنا ما/من أنا..؟” معتبرا أنّ كل تعريف للذات هو تضييع لها ونفيها في نفس الوقت لأنه يحصرها في إطار ويسجنها فيه، فعندما سنقول بأن “إدوارد سعيد هو…” نكون قد عرّفناه وحددنا هويته وقمنا بحصرها، وقد كان دائما يرفض ذلك، ويرفض وضع الإنسان في قالب مسكوك ونهائي وحصره في إطار معين ومحدود، و لهذا السبب سنكتفي فقط بتعريف يصف الرجل أكثر ممّا يعرّفه ويحصره، فنقول بأنه “مفكر، أديب وفيلسوف من أصل فلسطيني، درس في مصر، أمضى جزءا كبيرا من طفولته بلبنان، حمل الجنسية الأمريكية، وعاش متنقلا بين المدن العالمية محاضرا ومدافعا عن قضايا إنسانية، أبرزها قضية فلسطين” وقد عاش “سعيد” على امتداد القرن العشرين (1935-2003) وعاصر أهم أحداث وتحولات الإنسان الكبرى في هذا القرن سياسيا وثقافيا( الحرب العالمية الثانية، الانتداب البريطاني في فلسطين وتطورات القضية الفلسطينية بعد ذلك، النكسة والنكبة العربية، الحرب الباردة، الحروب العربية الإسرائيلية، صدام الحضارات/حوار الثقافات) مع العلم أنّ هذه المعلومات لا تحدّد هويته، لأنه عاش “خارج المكان” كما عنون مذكراته الشهيرة التي صدرت سنة 1999، وفي هذا يقول إدوارد على لسان محمود درويش (رفيقه في المنفى والاغتراب)”أنا من هناك، أنا من هنا، ولست هناك، ولست هنا” فقد ولد في فلسطين ولكن ظروف الحرب جعلته يعيش بالمنفى بعيدا عن الوطن متنقلا بين الدول والمدن، وعاش معظم حياته بأمريكا، “فهو من هنا ومن هناك” لكنه لا يعيش بأي منهما ولا ينتمي إلى أي منهما “فلست هناك ولست هنا” وهذا نفي لانتمائه إلى أمكنة معينة وفي نفس الوقت تحرره من كل الأمكنة ومن أي انتماء، رغم أنه كان يحاول اكتشاف انتماءه كل مرّة يواجه فيها اسمه “ادوارد سعيد !” باعتباره اسما/شخصا إشكاليا بامتياز، لأنه يصعب تعريفه وتحديد هويته.
ولعل هذا الاسم بحد ذاته يعتبر درسا في مفهوم “الهوية”، فهو اسم يجمع بين عالمين، بين ثقافتين ولغتين؛ فإدوارد كاسم شخصي هو اسم غربي من سجل الأسماء الأمريكية، وسعيد الذي هو اسم العائلة اسم فلسطيني عربي، وفي هذا يقول إدوارد سعيد على لسان درويش أيضا في قصيدة “طباق” الشهيرة:”لي اسمان يلتقيان ويفترقان (“ادوارد” و “سعيد”) ولي لغتان نسيت بأيهما كنت أحلم”.
لقد ولد “سعيد” كمواطن أمريكي، بحكم أنّ والده يحمل الجنسية الأمريكية بسبب خدمته العسكرية في الحرب العالمية الأولى، وبما أنه ولد من عائلة فلسطينية بالقدس وعاش طفولته بالقاهرة ويحمل جواز سفر أمريكي فقد كان دائم التساؤل عن “هويته”، “من أنا؟” لذلك فالهوية مفهوم مركزي في فكر “سعيد”، وهو الموضوع الذي يتناوله في مذكراته الشهيرة “خارج المكان” ـــ والتي بدأ بكتابتها وهو يقاوم “سرطان الدم”، كما قاوم دائما في كتاباته المستشرقين، وقاوم الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين واحتلال أمريكا للعراق في آخر حياته، والتمركز المرضي للغرب حول قيمه وذاته ـــ .
فتصور سعيد للهوية، هو تصور ينتمي إلى “ما بعد الحداثة”، لأن كتاباته عموما (وخصوصا كتابه الرائد حول “الاستشراق”) تصنف ضمن دراسات وكتابات “ما بعد الاستعمار”، وهي الأبحاث التي حاولت الانفتاح على ما هو كوني وتجاوز الانغلاق على الذات والتمركز المرضي حولها وعلى كل ما هو محلي، فهذا التصور “ما بعد الحداثي” لا ينظر إلى الهوية باعتبارها تقوم على الثبات والوحدة كما عرفتها الفلسفة الحديثة التي بقيت حبيسة التصور الأرسطي للمفهوم، ولكنها تقوم أساسا على التعدد والاختلاف والتطور “فالهوية بنت الولادة، لكنها في النهاية إبداع صاحبها لا وراثة ماضٍ…” كما يقول “سعيد” على لسان صديقه “درويش” في ذات القصيدة المذكورة سلفا، فلا يمكننا أن نحصر الهوية في مكان الولادة مثلا، فقد ولد سعيد في فلسطين، ولذلك فقد كان فلسطينيا بالولادة، ولكنه عاش جزء غير يسير من حياته بالقاهرة في مصر، وجزء كبير من حياته الجامعية والمهنية بأمريكا، ومراحل أخرى في بيروت، وبالتالي فانتماءه هو انتماء لكل هذا التعدد المكاني، اللغوي، الثقافي والحضاري، والهوية هي هذا الغنى والتنوع والتعدد “أنا المتعدد، في داخلي خارجي المتجدد…”
غير أن وعيه السياسي الذي تشكل مبكرا ونشاطه الإنساني والنضالي جعله ينحاز إلى فلسطين “كهوية أصلية اكتسبها بالولادة” لأنه وجد فيها ما يجعل منها جديرا بالانتماء إليها وهو “فكرة المقاومة” مقاومة الاحتلال، مقاومة الفكر الامبريالي، كما قاوم المستشرقين والدراسات الكولونيالية في كتاباته، وفي هذا الانحياز يقول:”.. لكنني أنتمي لسؤال الضحية، لو لم أكن من هناك لدربت قلبي أن يربي هناك غزال الكناية…” وهذه الهوية الفلسطينية المرتبطة بالمعاناة جراء فقدان الأرض و”احتلالها”، والمقاومة في نفس الوقت لاسترجاعها والعودة إلى الوطن، غير أنّ هذا ليس انغلاق هوياتي، بل هو الكونية/الإنسانية في حد ذاتها، لكونه يقوم على وعي بأحقية كل شعب في مقاومة مغتصب أرضه، لذلك فهو نضال إنساني وكوني يرفض الظلم والكراهية والتمركز حول الذات وإقصاء الآخر، وهذه الهوية الفلسطينية لا تنفصل عن هوية أخرى هي الهوية العربية وانتماء آخر هو انتماء إلى الثقافة العربية، لأنه يتحدث لغتها و يحمل بعضا من تصوراتها عن الوجود والحياة، وقد نذر نفسه للدفاع عنها ومجابهة القراءات الإيديولوجية حول العرب والمسلمين في كتابات المستشرقين كاشفا بالنقد والتحليل زيف أقاويلهم وتهافت أطروحاتهم وحججهم في كتابه “الاستشراق1978″.
هذا الدفاع عن الثقافة العربية وعن القضية الفلسطينية لم يجعله “قومجيا/أو منغلقا متعصبا لعرقه أو وطنه” بل آمن الرجل بكل ما هو كوني وإنساني واعتبره جزء لا يتجزأ من هويته، وهذا العنصر الآخر المشكل لهوية سعيد “المركبة” هو ما يسميه بــ”الكونية”، على اعتبار أن انتماءه هو انتماء إلى هذا العالم الإنساني المتعدد والغني، بعيدا عن التمركز المرضي حول الذات وإقصاء الآخرين ومحاربتهم.
فكم نحن في أمّس الحاجة إلى أمثال إدوارد سعيد ومحمود درويش وغيرهم دائما لنتعلم منهم كيف يدافع الإنسان عن قضاياه وعن هويته “فاحمل بلادك أنّى ذهبت، وكن نرجسيا إذا لزم الأمر”، دون أن يتعارض ذلك مع انتماءه إلى الكوني والإنساني، فالحاجة إليهما اليوم بالضبط أكبر، لأنه زمن الانغلاق الهوياتي والتعصب العرقي والمذهبي والعقائدي بامتياز، بالرغم من كل شعارات الانفتاح والتعايش.

قد يعجبك ايضا