في ذكرى 5 يونيو.. نكسة 1967 جرحٌ في الذاكرة المصرية وصناعةُ الانتصار بعد الانكسار
القاهرة – سها البغدادي …..
تحل في الخامس من يونيو من كل عام ذكرى نكسة عام 1967، إحدى أصعب المحطات في التاريخ المصري والعربي المعاصر، حين تعرضت مصر ومعها دول عربية لهزيمة عسكرية أمام إسرائيل في الحرب التي استمرت ستة أيام فقط، وأسفرت عن احتلال شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان السوري. وقد عُرفت تلك الحرب تاريخيًا باسم “حرب الأيام الستة”، بينما ارتبطت في الوجدان العربي باسم “النكسة”.
بدأت الحرب صباح الخامس من يونيو 1967 عندما شنت إسرائيل ضربة جوية واسعة استهدفت المطارات والقواعد الجوية المصرية، وتمكنت خلال الساعات الأولى من تدمير جزء كبير من القوة الجوية المصرية وهي على الأرض، ما منحها تفوقًا عسكريًا حاسمًا خلال الأيام التالية.
ورغم أن النكسة مثلت صدمة قاسية للمصريين، فإن العديد من الدراسات والشهادات العسكرية اللاحقة أكدت أن الهزيمة لم تكن نتيجة نقص في شجاعة المقاتل المصري، بل جاءت نتيجة أخطاء في التقدير والاستعداد العسكري وإدارة المعركة، إلى جانب عنصر المفاجأة الذي حققته الضربة الجوية الإسرائيلية الأولى.
وعقب الهزيمة مباشرة، شهدت مصر موقفًا تاريخيًا عندما أعلن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تنحيه عن الحكم في التاسع من يونيو 1967، إلا أن ملايين المصريين خرجوا إلى الشوارع مطالبين باستمراره، في مشهد عكس حجم التلاحم الشعبي في مواجهة الأزمة الوطنية.
لكن ما يميز التجربة المصرية أن النكسة لم تكن نهاية الطريق، بل كانت بداية مرحلة إعادة بناء شاملة للقوات المسلحة المصرية. فبعد أيام قليلة من الحرب بدأت عملية إعادة تنظيم الجيش وتسليحه وتدريبه، لتدخل مصر لاحقًا حرب الاستنزاف بين عامي 1969 و1970 بهدف استنزاف القوات الإسرائيلية وإعادة الثقة للمقاتل المصري.
وخلال سنوات ما بعد النكسة، نجحت القوات المسلحة المصرية في استعادة قدراتها القتالية تدريجيًا، وهو ما ظهر بوضوح في حرب السادس من أكتوبر عام 1973، حين تمكن الجيش المصري من عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف وتحقيق إنجاز عسكري أعاد التوازن إلى الصراع وأثبت قدرة مصر على تحويل الهزيمة إلى قوة دافعة نحو الانتصار.
وفي ذكرى الخامس من يونيو، لا يستحضر المصريون فقط مرارة الهزيمة، بل يتذكرون أيضًا درسًا تاريخيًا مهمًا مفاده أن الأمم الكبيرة قد تتعرض لانتكاسات، لكنها تستطيع النهوض من جديد عندما تمتلك الإرادة والقدرة على المراجعة والتصحيح. فبين نكسة 1967 وانتصار أكتوبر 1973 قصة شعب رفض الاستسلام، وجيش أعاد بناء نفسه، ودولة استطاعت أن تحول واحدة من أصعب لحظاتها إلى محطة عبور نحو استعادة الكرامة الوطنية.
وتبقى ذكرى النكسة مناسبة للتأمل في دروس التاريخ، واستحضار تضحيات آلاف الشهداء الذين سقطوا دفاعًا عن الوطن، والتأكيد على أن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تحققه من انتصارات، بل أيضًا بقدرتها على تجاوز الأزمات والنهوض من جديد.









