**سُمُوُّ النَّفْسِ فِي رِحَابِ المُرُوءَةِ وَالخُلُقِ القَوِيم**
نبيل الجمل …..
إنَّ القيمةَ الحقيقيّةَ للإنسانِ لا تُقاسُ بما يَملِكُه من مَتاعِ الدنيا، ولا بما يَعتليهِ من مَناصبَ زائفة، بل بما يَعْمُرُ قلبَه من نُبلٍ، وما يَفيضُ به سُلوكه من فضيلة. فمكارمُ الأخلاقِ هي عِمارةُ الوجودِ، وبَهاءُ النفسِ، والركيزةُ الأولى التي تَقومُ عليها أمجادُ الأُممِ وحَضاراتُها. وقد أمر الله بها في كتابة وعلى لسان أنبياءة وقد أمر بها ديننا الحنيف ، هي ليست شِعاراً يُرفع، ولا مَظهراً يُتكلَّف، بل هي مَعدنٌ يَنصهرُ في بَوتقةِ الأيامِ لِيُسفِرَ عن جَوهرِ الإنسانِ الأصيل.
ولو نَظرنا في كينونةِ البَشرِ، لَوجَدنا أنَّ الكرامةَ وراثةٌ تتدفّقُ في عُروقِ الأوفياءِ كابراً عن كابر، وأنَّ الأدبَ طبعٌ سَجِيٌّ يَصْدُرُ عن النفسِ عَفواً بلا تَصنُّعٍ ولا رِياء. والمبادئُ في هذا العصرِ كنزٌ ثَمينٌ، يَحفظُ صاحبَه من السقوطِ في مَنحدراتِ الابتذالِ والتلوّن. وحينَ تَختبرنا الأيامُ، نُدركُ يَقينًا أنَّ الناسَ مَعادنُ؛ فمنهم من يَصْدأُ عندَ أولِ رِياح، ومنهم من يَزيدُه المَحكُّ بَريقاً وتَوهُّجاً، فالأصلُ غلابٌ، ولا تَنبُتُ أزهارُ المروءةِ إلا في تُرْبةٍ طيّبة.
وليسَ غريباً أن نَرى الشدائدَ هي المِعيارُ الأصدقُ لمَعرفةِ الرّجال؛ فالوفاءُ ليسَ وعْداً يُقْطعُ في رَخاء، بل هو مَوقفٌ صَلْبٌ يُتّخذُ في أوقاتِ المِحَن، والنخوةُ ليست ادّعاءً باللسانِ، بل هي فِعلٌ حاسمٌ يَهُبُّ لِإغاثةِ المَلهوفِ ونُصرةِ الحَقّ. وفي تِلكَ اللّحظاتِ الفارقةِ، تَتجلّى قِيمُ الإنسانِ عاريةً من كلِّ زِينةٍ مُصطنعة، وتَظهَرُ حِكمةُ التربيةِ وبَركتُها واضحةً جليّةً في فَلتاتِ الكلامِ، ورَقابةِ التصرُّف، وهَيبةِ السُّلوك.
إنَّ العِشرةَ الطيّبةَ هي الرِّباطُ المُقدّسُ الذي لا تَبترُه الأيام، بل تَبقى ذِكراه عاطرةً مَهما تَباطأتِ السنون، والسمعةَ الحسنةَ هي رأسُ مالِ الإنسانِ الحقيقيّ، والإرثُ الأبقى الذي يَتركه خَلْفَه لِيُضيءَ سِيرتَه في جَريدةِ الخُلود. وفي خِتامِ القولِ، يَبقى المِيزانُ الإلهيُّ والإنسانيُّ ثابتاً لا يَميل: من لا قِيَمَ له ولا أخلاق، لا يَرفعُه منصبٌ مَهما تَعاظمَ جاهُه، ولا يَصنعُه مالٌ مَهما تَرادَفَتْ خَزائنُه؛ فالألقابُ والأموالُ دُون مروءةٍ هي كَسَرابٍ بَقيعة، يَحسبُه الظَّمآنُ ماءً، حتى إذا جاءَه لم يَجِدْه شَيئاً.
الكاتب من اليمن