فادي السمردلي يكتب: محافظات تنتظر فرصتها

بقلم فادي زواد السمردلي  ….

 

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

هناك فكرة شائعة اراها ويراها الجميع تتكرر كثيرًا عند الحديث عن التنمية في الأردن أن عمّان هي القلب النابض، وأن ما حولها يدور في فلكها. لكن هذه الفكرة، رغم بساطتها، تخفي وراءها سؤالًا أعمق وأكثر حساسية ماذا عن باقي المدن؟ ماذا عن المحافظات التي تعيش على الهامش التنموي منذ سنوات طويلة، لا لأنها أقل أهمية، بل لأن الفرص لم تصلها بالشكل الكافي؟

عندما نتجول خارج العاصمة، لا تحتاج إلى كثير من البحث لتشعر أن الصورة مختلفة ليست مختلفة بمعنى الفقر أو الضعف كما يُختزل أحيانًا، بل مختلفة بمعنى الإيقاع فالحياة هناك نراها أبطأ، الفرص أقل تنوعًا، والخيارات محدودة أكثر. ومع ذلك، هناك شيء واضح الناس هناك لا يقلّون طموحًا، ولا أقل رغبة في التقدم، ولا أقل قدرة على الإنتاج.

لكن السؤال الحقيقي ليس في “ماذا يوجد؟”، بل في “ماذا كان يمكن أن يكون؟”.

في كل محافظة أردنية اجد ، هناك قصص كان يمكن أن تتحول إلى مشاريع ناجحة، وأفكار كان يمكن أن تصبح شركات، وكفاءات كان يمكن أن تبني قيمة مضافة حقيقية داخل مناطقها ولكن كثيرًا من هذه الإمكانيات بقيت في إطارها الفردي، ولم تتحول إلى منظومة اقتصادية متكاملة.

ليس لأن الإمكانات غير موجودة، بل لأن البيئة المحيطة لم تكن دائمًا مهيأة بالشكل الكافي لاحتضانها فالفجوة بين العاصمة والمحافظات ليست فقط فجوة خدمات، بل فجوة فرص. ففي عمّان، تتجمع الشركات، المؤسسات، المراكز الاقتصادية، وشبكات العلاقات المهنية بينما في المحافظات، غالبًا ما يضطر الشباب إلى التفكير بخيارين إما الانتقال إلى العاصمة، أو البحث عن فرص محدودة محليًا قد لا تتناسب مع طموحاتهم.

ومع مرور الوقت، تتحول هذه المعادلة إلى نمط حياة ثابت الهجرة الداخلية نحو المركز، بدل بناء مراكز متعددة لكن هذه ليست حتمية فالمحافظات الأردنية لا تعاني من نقص في الإنسان، بل من نقص في توزيع الفرص فهناك شباب في السلط،إربد، الكرك، الزرقاء، معان، الطفيلة، المفرق، وغيرها، لديهم نفس المهارات، ونفس الطموحات، ونفس القدرة على التعلم والعمل، لكنهم يواجهون واقعًا اقتصاديًا أقل تنوعًا.

وهنا تظهر المفارقة التنمية لا تتعلق فقط بخلق فرص جديدة، بل بتوزيعها أيضًا فحين تتركز الفرص في مكان واحد، فإن الضغط يزداد على ذلك المكان، وتفقد المناطق الأخرى جزءًا من حيويتها تدريجيًا ليس فقط على مستوى الاقتصاد، بل على مستوى الانتماء للمكان او المحافظة أيضًا لأن الإنسان حين يشعر أن مكانه لا يوفر له ما يحتاجه ليبني مستقبله، يبدأ بالتفكير في المغادرة، حتى لو كان متعلقًا به.

لكن الصورة ليست سوداء بالكامل ففي السنوات الأخيرة، ظهرت مبادرات محلية، ومشاريع صغيرة، ومحاولات جادة لخلق بيئة إنتاج في بعض المحافظات فهناك شباب بدأوا مشاريعهم الخاصة بعيدًا عن العاصمة، وهناك قصص نجاح فردية بدأت تتوسع ببطىء. لكن هذه الجهود، رغم أهميتها، ما زالت تحتاج إلى دعم أكبر، وربط أوضح مع الاقتصاد الوطني ككل فالمشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في غياب “السلم” الذي يصعد عليه أصحاب هذه الأفكار من مرحلة البداية إلى مرحلة الاستقرار والتوسع.

حين نتحدث عن المحافظات، فنحن لا نتحدث عن أطراف جغرافية، بل عن نصف الصورة تقريبًا وأي خطة تنموية لا ترى هذا النصف بوضوح، ستبقى ناقصة مهما كانت طموحة.

العدالة التنموية ليست شعارًا نظريًا، بل هي شعور يومي بأن يشعر الشاب في أي مدينة أنه قادر على أن يحلم دون أن يكون مضطرًا لمغادرة مكانه أولًا وأن يشعر أن الفرصة ليست مرتبطة فقط بالموقع الجغرافي، بل بالكفاءة والجهد.

ربما لا تحتاج المحافظات إلى “معاملة خاصة”، بقدر ما تحتاج إلى “فرص متساوية في الوصول” إلى استثمارات لا تتركز في نقطة واحدة، وإلى مشاريع قادرة على خلق وظائف محلية، وإلى بيئة تشجع على بقاء الكفاءات بدل دفعها نحو المركز.

في النهاية، التنمية الحقيقية ليست أن تكبر مدينة واحدة، بل أن تكبر البلاد كلها بشكل متوازن لأن قوة أي دولة لا تُقاس فقط بما يحدث في عاصمتها، بل بما يحدث خارجها أيضًا والمحافظات الأردنية لا تنتظر الشفقة… بل تنتظر الفرصة.

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا