فادي السمردلي يكتب :حياة بالتقسيط.. كيف أصبحت الديون جزءًا من المشهد الاقتصادي للأردنيين؟
بقلم فادي زواد السمردلي …..
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
لم يعد الاقتراض في الأردن خيارًا استثنائيًا تلجأ إليه الأسر عند الضرورة القصوى، بل أصبح واقعًا يرافق حياة كثير من المواطنين منذ بداية حياتهم العملية وحتى سنوات طويلة بعدها فبين راتب لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، وأسعار ترتفع بوتيرة أسرع من نمو الدخل، وجد آلاف الأردنيين أنفسهم أمام حل واحد يتكرر كلما ضاقت الخيارات: القرض.
في الماضي، كانت القروض ترتبط غالبًا بشراء منزل أو تمويل مشروع أو مواجهة ظرف طارئ أما اليوم، فقد توسعت دائرة الاقتراض لتشمل تفاصيل الحياة اليومية من شراء الأثاث والأجهزة الكهربائية، إلى تسديد رسوم التعليم والعلاج، وحتى تغطية نفقات المعيشة الأساسية في بعض الحالات وهكذا تحولت الديون من وسيلة مالية مؤقتة إلى جزء ثابت من المشهد الاقتصادي والاجتماعي.
المشكلة لا تكمن في الاقتراض بحد ذاته، فالقروض أداة مالية موجودة في جميع الاقتصادات، وإنما في الأسباب التي تدفع المواطن إلى اللجوء إليها فعندما يصبح الراتب غير قادر على تغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة، وعندما تزداد الفجوة بين الدخل وكلفة المعيشة، يصبح الاقتراض بالنسبة للكثيرين وسيلة للبقاء وليس وسيلة لتحسين مستوى الحياة.
ومع مرور الوقت، يجد المقترض نفسه أمام سلسلة طويلة من الالتزامات الشهرية فجزء من الراتب يذهب لقسط السكن، وجزء آخر لقرض شخصي، وربما لقرض سيارة أو تمويل استهلاكي وما يتبقى بعد ذلك قد لا يكون كافيًا لتغطية الاحتياجات الأساسية، مما يدفع البعض إلى البحث عن قرض جديد لسداد التزامات قديمة، لتبدأ دائرة مالية مرهقة يصعب الخروج منها.
الأخطر من ذلك أن الحياة بالتقسيط لا تستنزف الدخل فقط، بل تؤثر أيضًا على الاستقرار النفسي للأسرة فوجود التزامات مالية متراكمة يخلق حالة دائمة من القلق والترقب، خاصة عند حدوث أي ظرف طارئ مثل فقدان الوظيفة أو المرض أو زيادة المصروفات وفي كثير من الأحيان، يتحول موعد نزول الراتب من مناسبة ينتظرها الموظف بارتياح إلى محطة مؤقتة تُقتطع منها الأقساط قبل أن تصل فعليًا إلى جيبه.
كما أن انتشار الديون انعكس على قرارات اجتماعية مهمة فالكثير من الشباب يؤجلون الزواج بسبب الالتزامات المالية المتراكمة، وآخرون يترددون في شراء منزل أو بدء مشروع خاص خوفًا من تحمل أعباء إضافية حتى بعض الأسر أصبحت تعيد ترتيب أولوياتها بالكامل بناءً على مواعيد الأقساط والاستحقاقات الشهرية.
ورغم كل ذلك، لا يمكن إغفال أن جزءًا من المشكلة يرتبط بثقافة الاستهلاك فبعض الأفراد يقعون في فخ الاقتراض من أجل الكماليات أو لمجاراة أنماط إنفاق تفوق قدراتهم المالية ولكن هذا لا يلغي حقيقة أن الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف الحياة تبقى العامل الأبرز في اتساع ظاهرة الديون بين المواطنين.
إن استمرار الاعتماد المتزايد على القروض يطرح تساؤلات مهمة حول مستقبل الاستقرار المالي للأسر الأردنية فكلما زادت الأقساط، تقلصت القدرة على الادخار والاستثمار والتخطيط للمستقبل وعندما يصبح جزء كبير من دخل الأسرة مرهونًا بالتزامات طويلة الأمد، تتراجع فرص تحسين مستوى المعيشة وتزداد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
وفي النهاية، لم تعد الديون في الأردن مجرد أرقام تُسجل في كشوفات البنوك، بل أصبحت قصة يومية يعيشها آلاف المواطنين، قصة تبدأ بقرض لتلبية حاجة ملحة، لكنها قد تمتد لسنوات طويلة من الأقساط والالتزامات وبين الحاجة والقدرة، يبقى التحدي الأكبر هو كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الحياة اليوم ومتطلبات الاستقرار المالي في المستقبل.
الكاتب من الأردن