ما بين لهيب الميدان وأصداء الدبلوماسيةوحدة الساحات ترسم خارطة الردع الإقليمية
طوفان الجنيد …..
المشهد الإقليمي بين النار والتفاوض
منذ انطلاق شرارة طوفان الأقصى، وما تلاها من مواجهات عسكرية بين قوى الاستكبار العالمي ومحور المقاومة الدفاعي، وصولًا إلى الردّ الإيراني والتأديب اليمني للكيان، واستمرار الاعتداءات على جنوب لبنان وغزّة، وعدم الالتزام بالاتفاقات الناتجة عن المفاوضات الأمريكية – الإيرانية بوساطة باكستان؛ بات واضحًا أن المنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل شاملة لمعادلاتها السياسية والعسكرية. مشهدٌ يُرسم اليوم ما بين حسابات الغرف المغلقة ولهيب الميدان، حيث لم يعد أي مسار يعمل بمعزل عن الآخر.
أولًا: وحدة الساحات… من الشعار إلى الاستراتيجية:
لم يعد مفهوم «وحدة الساحات» مجرّد شعار سياسي أو تكتيك دفاعي عابر، بل تحوّل إلى استراتيجية جيوسياسية متكاملة أعادت صياغة موازين القوى في المنطقة. هذه الاستراتيجية فرضت قواعد اشتباك جديدة، وكسرت المعادلات التقليدية التي راهنت على عزل الجبهات وتحييدها، لتُدخل القوى الإقليمية والدولية في معادلة ترابط عضوي لا يسمح بالتحكّم الأحادي بمسار المواجهة.
ثانيًا: الميدان يفرض شروطه على الدبلوماسية:
جاءت التطورات الميدانية الأخيرة — المتمثّلة في القصف الصاروخي الإيراني الباليستي المكثّف، والضربات اليمنية المتزامنة باتجاه يافا وإيلات — كتطبيق عملي حيّ لهذه المعادلة. فقد تشابكت الوقائع الميدانية مع كواليس الدبلوماسية الدولية الساعية لفرض تسويات ومذكّرات تفاهم جديدة، لكن هذه المرّة بشروط يفرضها الميدان لا طاولات التفاوض.
في العرف العسكري والسياسي، تظلّ الدبلوماسية بلا قوة تحميها عاجزة، كما تتحوّل القوة دون أفق سياسي إلى استنزاف عبثي.
من هنا، برز الميدان بوصفه الرافعة الأولى للدبلوماسية، والمصدر الحقيقي لأوراق الضغط الفاعلة.
ثالثًا: معضلة الأولويات وانهيار الردع الأحادي:
نجحت «وحدة الساحات» في فرض معضلة الأولويات على صانع القرار في معسكر الخصم، مشتّتةً قدراته، ومسقِطةً عقيدة «الردع الأحادي» التي قامت على فرضية السيطرة على جبهة واحدة في كلّ مرة.
لم يعد بمقدور الكيان الاستفراد بساحة معزولة، أو الرهان على أن الضغط العسكري المكثّف في جبهة واحدة سيؤدّي إلى انكفاء بقية الجبهات. فالميدان أعاد صياغة الموقف الكلّي، مؤكّدًا أن المساس بأي جبهة يستدعي تفعيلًا تلقائيًا وفوريًا لأوراق القوة في جبهات أخرى.
رابعًا: من الدفاع التكتيكي إلى الهجوم المتزامن:
وضعت هذه المعادلة قيادة الكيان أمام مأزق عملياتي حادّ، يمتد من الأهواز وطهران إلى صنعاء وباب المندب. ولم يعد التنسيق بين قوى محور المقاومة محصورًا في إطار الدفاع التكتيكي، بل انتقل إلى مستوى الهجوم المتزامن والمترابط، كاشفًا العمق الاستراتيجي للخصم، ومربكًا منظوماته الدفاعية وحساباته الاستخباراتية.
خامسًا: باب المندب… نقطة التحوّل الجيوسياسي:
بلغ الضغط الميداني ذروته مع الخطوة اليمنية الجريئة المتمثّلة في إغلاق مضيق باب المندب في وجه الملاحة الصهيونية وكلّ من يرتبط بها. لم تكن هذه الخطوة مناورة مؤقّتة أو إسنادًا عابرًا، بل قطعا استراتيجيًا نقل المعركة من الاشتباك المباشر إلى خنق الشريان الاقتصادي وعصب الإمداد الحيوي للكيان وحلفائه.
السيطرة اليمنية العملياتية والنارية على هذا الممرّ المائي الدولي، وفرض حظر ملاحي بقوة الصواريخ البحرية والمسيّرات الانقضاضية، كشفت حدود القوة البحرية الدولية، وحوّلت البحر الأحمر إلى ساحة استنزاف مفتوحة، ذات كلفة اقتصادية وأمنية باهظة.
سادسًا: الجغرافيا اليمنية ورقمها الصعب في معادلات الملاحة:
أثبتت الوقائع أن الجغرافيا اليمنية باتت رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه في معادلات الملاحة الدولية. فقد عجزت التحالفات التقليدية عن تأمين المصالح الصهيونية، وأُجبرت القوى الدولية على إعادة حساباتها، بعدما تحوّل البحر الأحمر إلى مسرح ضغط دائم لا يمكن تحييده بالقوة التقليدية.
سابعًا: الدبلوماسية كاستثمار سياسي للميدان:
في ظلّ هذه التحوّلات، تتحرّك الدبلوماسية كحائط صدّ سياسي، ومستثمرٍ حصيف للمكاسب الميدانية. فإذا كان الميدان يُنتج أوراق القوة، فإن الدبلوماسية تحوّلها إلى اعتراف سياسي ومكاسب استراتيجية مستدامة، عبر إدارة دقيقة لحافة الهاوية، وضبط إيقاع التصعيد بما يمنع الانفجار الشامل ويحافظ على زخم الضغط.
ثامنًا: تضييق الخيارات أمام واشنطن وحلفائها:
تتقدّم السياسة اليوم مستندةً إلى لغة الصواريخ الباليستية في الأجواء، وإلى القرار اليمني السيادي في باب المندب، ما يضع الإدارة الأمريكية والقوى الدولية أمام خيارات ضيّقة، ويجبرها على كبح الاندفاع الإسرائيلي المأزوم، ودعوته إلى التريّث خشية انفجار إقليمي شامل يطيح بفرص التسوية ومذكّرات التفاهم.
خاتمة: الميدان والدبلوماسية… معادلة واحدة
تغدو السيادة البحرية اليمنية المفروضة بحكم الأمر الواقع في باب المندب ورقة الضغط الأثقل، التي ترهق كاهل الخصم وتدفع المجتمع الدولي إلى مراجعة حساباته، والإقرار بأن الاستقرار في الشرق الأوسط لا يُفرض بالقوة العسكرية المنفردة، بل يمرّ عبر تفاهمات إقليمية شاملة ورفع المظالم.
وفي المحصلة النهائية، يظلّ الميدان والدبلوماسية وجهين لعملة واحدة:
الميدان يمنح الدبلوماسية أنيابها التي بها تُطاع،والدبلوماسية تمنح الميدان أفقه الذي به تُصان التضحيات وتُثبَّت الإنجازات.
الكاتب من اليمن