سامر أبو شندي في روايته بيت بيروت
من حسن الحظ أن سامرًا هذا لا يخفي من بداية روايته موقفه من الزمن الذي يروي حكايته عنه، فقد استهلها بإشارة مقتضبة لرحيل كوكب الشرق 1975 وفي هذه الإشارة ما ينم على موقفه من المكان أيضا؛ فما دام قد بدأ بذكره أم كلثوم، فلا جرم أن روايته هذه التي حملت عنوانا لافتا « بيت بيروت»(دار الأمير: مرسيليا، 2026) لها ولحوادثها المرويّة علاقة مباشرة بأم الدنيا(مصر). فعبد الغني، الساردُ، والبطل في الرواية، عسكريٌّ(ضابط) مصري خريج الكلية العسكرية، من محبي جمال عبد الناصر، شارك في حرْب الاستنزاف، ولكن وفاة عبد الناصر، وتولي السادات الرئاسة، وما سمي بمراكز القوى؛ من المتغيرات التي جلبت له سوء الحظ. فقد تم تسريحه من الجيش(ص 7) وعمل مدة في المقاولات، مع أنه لم يدرس لا الهندسة، ولا ما يشبه الهندسة. ثم تبين له أن الخروج من مصر لطرابلس في ليبيا خيرٌ له وأبقى.
وفي طرابلس شاءت الأقدار أن يتعرف عليه أحد المخبرين(إبراهيم) في إحدى المقاهي(ص9) ومن تبادل الحديث اتضح لهذا الليبي أن عبد الغني لديه خلفية عسكرية. فعرَّفه على نزار الذي يشغل وظيفة مدير في شركة وهمية باسم الفاتح للمقاولات (ص12). ونزار هذا رشحه للقيام بخدمات عسكرية لا تشوبها شائبة العمل ضد مصر السادات (ص15). ولم تمض أيام قليلة على وجوده في طرابلس، حتى كان قد تعرف على شخص آخر لبناني باسم عاكف(ص16). وهذا اللبناني ينتسب فيما يُظنُّ ويحسبُ للحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني الذي يخوض حربا شرسة ضد التيار الانعزالي في بيروت. ويقوم هو، ونزار، بتوجيه عبد الغني، وتزويده بالتعليمات التي يترتب عليه القيام بها، وهي السفر جوًا لعمان، والنزول بفندق البرج في الشميساني بضعة أيام. والتعرف على وسط البلد، ثم السفر برًا إلى دمشق حيث أحد أنصار الحزب المذكور ينتظره(ص19- 22).
وعلى الرغم من الأيام المعدودة التي أقامها في الشميساني، فقد عرف الكثير عن حياة العمانيين، وعرف التفريق بين سيارة الأجرة(السرفيس) وتلك التي تعتمد على الطلب (التاكسي) وعرف مقهى السنترال، وسط البلد، حيث العامل المصري محروس، إذ تعرف كل منهما على الآخر من النظرة الأولى (ص25) وغدا في هذه الأيام القليلة من قراء الدستور، والرأي، ومن المتردّدين إلى بارات كان قد ذكرها عرار في شعره، وأخرى لم تذكر.
والعلامة الفارقة – ها هنا – تعرفه على لبنانية اسمها إيفون في فندق البرج، ثم في ملهى الفيلا روزا.(ص28).
وفي الحوار الذي دار بينهما اكتسب فكرة عن الحياة، وعن والتيارات المتناحرة، بلبنان، ففيما هو يشيد بالفودكا على أنها مشروب اليسار العربي، تنتفض قائلة: لكن دعني بعيدة عن اليسار، وعن كل شي عربي. « شو استفدنا من اليسار غير أنه جعل من لبنان بلدا منكوبا بعد أن قيل فيه سويسرا الشرق؟ «. واستمعَ منها لرأي تدعي أنه رأي معظم اللبنانيين، فهم يفضلون العلمانية على الطريقة الفرنسية، لا طائفية، ولا ما يحزنون (ص28- 31). في اللقاء الثاني اكتشف أنها فنانة ترسم لوحات. فأعرب عن رغبته في التعرف على لوحاتها فدعته لبيتها. وفيه دعته لتذوق العرق الزحلاوي. وأخبرته أن زوجها قُتل في الحرب الأهلية، وأنها وفيَّة لذكراه، وعليه ألا يفكر فيها كمن يظنها بائعة هوى(ص 33). واقترحت عليه بدلا مما يفكر فيه أن يوافق على التعري، وأن يكون (موديلا) فترسمه، وهذا أقصى ما تتمناه(ص34) فدعاه الشوق للحب ليبحث عن محروس، ذلك الذي عرض عليه تعريفه ببعض بائعات الهوى. على أن ما دعاه إليه محروس لم يشجعه على المضي فيما رغب، وعاد للفندق في الشميساني(ص36). كذلك لم تقنعه إيفون بالسفر معها إلى باريس(ص37) فعزم على الذهاب إلى دمشق.
وفي موقف مكثف جدا وصف لنا جولاته بدمشق، وزياراته لمقر الجبهة الشعبية، ومعسكراتها. وسارع للانتقال لبيروت حيث هند اللبنانية الشيعية، وزياد الرحباني، الذي وصفته هند بشيخ اليساريين(ص39). ودعته عند مغادرتها للاتصال بها دون تحفُّظ. وصاحَبَ أحد الرفاق إلى ساحة رياض الصلح. وتلقى بعض التدريب. وتسلم خرائط من إعداد السوريين. وطُلب منه الاستعداد، فثمة تسريبات تشير إلى نوايا إسرائيلية لاجتياح الجنوب اللبناني، والوصول إلى بيروت. وتحرك مع رفيق سوري آخر لتسلم شحنة أسلحة من باب الاستعداد للمواجهة، لكنه في هذا الوقت المزدحم بالمهام، لم تغب عن ذهنه هند التي تحبّ اليساريين(ص43- 44). اتصل بها، فدعته لزيارتها في البيت، فاستقبله أهلها. وعندما وقع بصره على صورة الشيخ ناصيف اليازجي ظنه من الأسره، فأخبرته عن دوره في النهضة الأدبية، وأنه مسيحي، ومع ذلك يلقب بالشيخ مما لا يتعارض مع الوئام الطائفي. ونوه لشجرة عيد الميلاد فقالت له: إنهم أقاموها مجاملة لأطفال الحي، فهم مسلمون شيعة لا مسيحيون. وفي الأثناء تذكر بعض ما يعرفه عن العلاقة بين كل من العراق وسورية ولبنان ومؤامرات نوري السعيد، وحلف بغداد، وتفكيك الوحدة بين سورية ومصر.(ص 50- 51) ولم تفته الإشارة للتركي أوزكان الذي انضم للمقاتلين، ولم ينس ما رواه عن الوقفية التركية في عكار(ص51). ويتتبع السارد عبد الغني مجريات الحرب، وتهيئة ياسر عرفات لخروج المقاومة من بيروت بحجة أنها ليست فلسطين. وها هنا تظهر رؤيته لموقف عرفات المدان لدى بعض المقاتلين الذين يحملونه مسؤولية التخلي العربي عن قضية فلسطين عندما طالب في قمة الرباط عام 1974 أن تكون القضية مسؤولية منظمة التحرير الفلسطينية لا غير(ص53). فعرفات في رأي السارد على مذهب السادات.(ص54).
أنيس في باريس
فوجئ(عبود) الذي شارك في التصدّي للغزو الإسرائيلي، وما تبعه من معارك بهند تدعوه للسفر معها إلى باريس، واستطاع بعض رفاقه استخراج جواز سفر له باسم (أنيس) على أن يطلق شاربيه على الطريقة الزحلاوية نسبة لزحلة وأن يتزوج من هند، وأن يغادر إلى عمان، وان يتقيد بالتعليمات حفظا لحياته. فهم يتوقعون أن يقدم لهم دعما كبيرا في باريس» ستكون مفيدا جدًا لنا في باريس»(ص59) .
في الدبلومات، قرب الدوار الأول بعمان، اتفقا على الزواج.. وشرعا في استخراج تأشيرة سفر لباريس. في أثناء البحث في الحقيبة عن بعض الأوراق وقعت في يده صورة لبناية الأسكوا، فعرضها على هند التي لامت قوى اليسار واليمين، فهم بخلافاتهم، وحروبهم، دمروا كل شيء، بما في ذلك بناية الأسكوا، التي وصفها عبود ببيت بيروت(ص93). بعد زواجهما بوقت قصير، كان لا بد لهند من السفر لباريس لغرض الدراسة. وفي باريس واجه عبد الغني الذي أصبح (أنيس) مفاجآتٍ منها مشاهدة الممثل نور الشريف، والكاتب توفيق الحكيم، وبعض المصوِّرين في مقهى. وقد جلس معهم بعد تردّد ليعلم أنهم يصورون مسلسلا عن توفيق الحكيم، وروايته الذاتية عصفور من الشرق(ص66). وعندما غادر المقهى، سمع من يدعوه بكلمة السر ( أبو الفِدا) بلهجة سورية. تعرف على الشخص الذي نقل إليه التعليمات بضرورة الذهاب إلى برلين، وشراء 5 طائرات شراعية، ثم السفر بها إلى دمشق. واستخدمت واحدة من تلك الطائرات في عملية عُرفت – لاحقا – بعملية (قبية) قادها محمد أكر الحلبي المولد أسْفرت عن مقتل 6 جنود اسرائيليين، وجرح 9 آخرين. وفي رأي السارد كانت تلك العملية من الدوافع التي ساعدت على اندلاع الانتفاضة في غزة في ديسمبر 1987(ص70، 77).
صوت القدس:
في شتاء ذلك الشهر سمع من يناديه بكلمة السر، فلما التفت وجد رفيقا يدعوه لمغادرة باريس لسويسرا والالتقاء بالرفيق منصور، وهو مغربي، كلفه هذا بدوره حضور مزاد للساعات، وشراء عدد منها، ثم الذهاب بها إلى دمشق. ولم يعرف الهدف من هذه المهمة، فعندما عاد إلى دمشق، وعرض على هند واحدة من هاتيك الساعات رفضتها قائلة هذه الساعات لا قيمة لها تباع بالكيلو. وقد انتهت تلك المهمة، والمهمة التي تليها، ولم يعرف ما علاقة الساعات بإذاعة «صوت القدس» التي أطلقتها الجبهة الشعبية. وبعد الإقامة بدمشق أياما، عادا إلى باريس، حيث المفاجأة الجديدة (وداد) وهي فتاة مصرية تتابع دراستها في السوربون، وتستعين بالعمل في المقاهي على توفير نفقات الدراسة (ص76) وإذا تجاوزنا ما وجده في فندق بمدينة نيس، إلى الليدو، وتَبِعاتِه، اكتشفنا أنَّ عبد الغني، أو أنيس، بدأ يميل ميلا غير شديد للمصرية وداد، ويستمع لآرائها التي تجمع بين التحرُّر المتحفّظ، والتديُّن غير الزمّيت(ص82).
ميليشيا ثقافية:
وفي أحد المقاهي بدمشق تعرف عبد الغني المعروف بأنيس على أديب سوري، صحفي، ناقم على الأوضاع بسبب ما يصفه بالمليشيا الثقافية التي لا تسمح لأي أديب بالكتابة للتلفزيون، أو السينما، أو أن يكون رئيس تحرير ما لم يكن منهم. ويتهمون من ليس منهم بالتبعية للغرب الاستعماري (ص85) وهو نموذج للسوريين الناقمين على الوحدة مع مصر، وما تكوّن لدى السوريين من انطباع سلبي عن سياسات عبد الناصر القائمة على التفريق، لا على التوحيد، بين الشعبين، والاعتماد على عبد الحميد السراج الذي عُرف ببطشه بالسوريين. وفي اللحظة التي أذيع فيها خبر اغتيال رينيه مُعوَّض، الرئيس اللبناني، تحول الحديث من القتيل معوض لجورج حبش. واليسار، الذي يمثله من أدباء سوريا ممدوح عدوان، ومحمد الماغوط(ص88) ولم يسلم هذا الأخير من سخرية الصحفي الذي يتهمه بالسطو على كثير من أعمال التركي عزيز نسين(ص 89). وتزداد سرعة إيقاع الرواية التي تنتهي بكشف حساب مختصر عما جرى بين عام 1988 و 1991 عندما توفي الموسيقار محمد عبد الوهاب. وهو الذي اختار قصيدة « هذه ليلتي» للزحلاوي جورج جرداق، ولحنها لأمّ كلثوم التي افتتح المؤلف روايته بالحديث عنها، وعن سيارتها المرسيدس 450 ذات المحرك الضخم سعة6 ,9 لتر.
بناء متماسك:
في هذه الرواية «بيت بيروت» التي هي الأولى للمؤلف فيما نعرف، بناء متماسك، يقوم على استخدام سارد مشارك يؤدي في الوقت ذاته دور البطل، إذا جاز التعبير، وتتوافر في حكايته الحوافز التي تغذي دوران المحرك لآلية السرد وديناميكيته.
فهو ضابط جرى تسريحه من الجيش بتهمة مفتعلة، وهي قربه مما عرف باسم مراكز القوى. وهذا حافز كاف ليدفع به دفعا للبحث عن عمل دون التخلي عن حماسته للخدمة في الجيش، لا بصفة مرتزق، بل مكافح. جرَّب العمل في المقاولات ثم غادر مصر إلى الجماهيرية بطريقة غير مشروعة بسبب التوتر الذي خيم على العلاقات بين البلدين. في المقهى يقع ما يسمى « التعرّف» الذي دل المخبر الليبي إبراهيم على عبد الغني بصفته الشخص المناسب للمهمة التي يريدها نزار، وهو مخبر ليبي آخر أعلى رتبةً، وشأنا، تعرف السارد على هذا الذي يدير مكتبا وهميا للمقاولات، واسمه نزار، وبعد التعارف الواضح تحققت لعبد الغني غايته، وهي توظيف خبرته العسكرية في الذهاب إلى لبنان، والالتحاق بفريق من المتحاربين فيها، وهو الحزب التقدمي الاشتراكي.
وعلى هذا النحو، كلما قابل عبدالغني شخصية جديدة، أحدث المؤلف نقلة في السرد. فعلى سبيل المثال لا الحصر كان لقاؤه بإيفون، وهي لبنانية، بعمّان فرصة سانحة لمعرفة ما يجري في لبنان، ومعرفة التوجهات المتباينة لدى اللبنانين. وتعرّفه على هند الشيعية ابنة الجنرال في الجيش اللبناني، وضع بين يديه الفرْصة للزواج، وزيادة التعرف على الحياة اليومية والثقافية في بيروت، وفي زحلة، وكذلك التعرف على التوجهات الإيديولوجية لفئات من اللبنانين قلما هدأ القتال بينهم. وبهذا النسق اطردت الحوادثُ، وتراكمت، وتكررت الأسفار، وتعددت، فزار بعد عمان دمشق، وبيروت التي تردد فيها إلى مبنى الأسكوا، وساحة رياض الصلح، وشارع الحمرا، والتقى فنانين مثل زياد الرحباني شيخ اليساريين. وزار باريس، وفيها عرف الفتاة المصرية الجامعية (وداد) التي أثارت لديه ما لم يكن يحفل به من شعور ديني. وزار برلين وجنيف ونيس بفرنسا. وعرف شخصياتٍ كثيرةً كان لها أثرها في وقوع حوادث تضاف، وتدفعُ بمسار الحكاية قدما للأمام، حتى كان لقاؤه بالأديب الصحفي السوري الناقم على الأوضاع، المستاء مما يسميه ميليشيات الثقافة. وفي هذا اللقاء بدأ مسار الحبكة بالانحدار، والهبوط، مقتربا من نهاية الرواية.
نهاية شبه مفتوحة:
ففي نهاية هذا المسار ثمة إشاراتٌ عدة لما يمكن وصفه بالمضمون الثقافي الناتج عن التحولات السلبية في الواقع، إذ شهد عبد الغني هزائم أولاها في العام 1967 والثانية في العراق عام 1991 ثم وفاة أم كلثوم سيدة الغناء عام 1975 ورحيل الموسيقار محمد عبد الوهاب عام 1991 والهشاشة التي خيمت على الثقافة، وعلى الفنون،لا سيما في الألفية الثالثة.. وهي إشاراتٌ توحي لنا فيما يُظن ويُحسب أننا أمام نهاية مفتوحة، أو شبه مفتوحة، يستطيع القارئ المدقق في الوقائع أن يتصورها على نحو يشعره بالإحباط، أو بغيره، إن كان ثمة هامش ضئيل أو واسع لغير الإحباط.
الرواية والتاريخ:
ولا يُسْتبعد أن يظن بعض القراء، من تقديمنا لأبرز الحوادث، أن «بيت بيروت» رواية تاريخية، بسبب ما أشرنا إليه، ونبهنا عليه، من وقائع ذات صلة بحرب 67 والاستنزاف، والحرب الأهلية بلبنان، ومحاصرة بيروت 1982 ورحيل المقاومين منها، وتوزيعهم على عدد من الدول، وما ذكر فيها من شخصياتٍ كبشير الجميل، ورينيه معوض، وحافظ الأسد، وعبد الحميد السراج، ونوري السعيد، وأديب الشِشَكلي، وعبد الناصر، والسادات، ومعمر القذافي، وصلاح خلف (أبو إياد) إلخ.. ومع ذلك لا تعد «بيت بيروت» رواية تاريخية في رأينا، لأن هؤلاء الذين ذكروا لم يكن لهم التأثير الواضح في الحبكة، ولأن هذه المجريات لم يمض عليها من الزمن ما يكفي حتى يحتاج الكاتب لاستعادتها من التاريخ. فهي حوادث عشنا معظمها، وما زلنا نعاني آثارها. فمن هذه الناحية تعد الرواية بما فيها من شخصيات سردية كعبد الغني(انيس) وهند، ووداد، ومنصور المغربي، ونزار، والليبي إبراهيم، و إيفون اللبنانية، ومحروس المصري شخصيات من ابتكار المؤلف. وقد عهد لكلٍّ. منها بدور مهم في الحكاية، وهذه الأدوار لم تتأثر لا بما قام به عبد الحميد السراج، ولا بما اقدم عليه نوري السعيد، ولا بما ارتكبه أديب الششكلي من تعسف، وقمع، دفع به للهروب من دمشق للأرجنتين.
فهذه الإشارات وغيرها كالأخبار التي نشاهدهها على الشاشات، ونحن نمارس أعمالنا، فلا تؤدي بحال من الأحوال لتغيير جذري في النظام السردي، ولا في نَسَق المحكيّات.