فادي السمردلي يكتب: غربالُ الانتماء الكاذب شعارات نظيفة وحقيقة مثقوبة
بقلم فادي زواد السمردلي ……
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث* #اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
في زمنٍ تتكاثر فيه الأقنعة أكثر من الوجوه، يصبح “الانتماء” كلمة سهلة على اللسان، ثقيلة الزيف في الفعل فلم يعد الانتماء موقفًا يُثبت، شعارًا يُرفع، ولا قيمة تُعاش، بل بطاقة تُستعرض عند الحاجة وهنا يظهر “غربال الانتماء الكاذب”؛ ذلك الذي يُفترض أن يفرز الصادق من الزائف، لكنه في الحقيقة يُستخدم لتزيين الزيف نفسه وإعادة تغليفه بصورة نقية لا تمتّ للواقع بصلة.
يدّعي البعض امتلاك “غربال مثالي” لقياس الولاء، والانتماء، والصدق، والالتزام فيرفعون شعارات الطهارة الفكرية والنقاء الأخلاقي، وكأنهم معيار الحقيقة الوحيد ولكن ما لا يُقال هو أن هذا الغربال ذاته مثقوب من الداخل، يسمح لكل ما هو متناقض، هشّ، وانتقائي أن يمرّ بسهولة، بينما يمنع الحقائق البسيطة إن لم توافق مصالحه.
المفارقة المؤلمة أن من يكثر الحديث عن النقاء غالبًا ما يكون أكثر من يفتقده.فحين يُصبح الانتماء وسيلة إقصاء لا مسؤولية، تتحول المبادئ إلى أدوات ضغط، وتتحول القيم إلى لافتات تجميلية تُرفع عند الحاجة وتُخفى عند الاختبار. وهكذا يصبح “الانتماء” قناعًا اجتماعيًا، لا حقيقة داخلية.
في هذا السياق، لا يعود الغربال أداة للتمييز، بل رمزًا للخداع المنظم فهو يفرز ما يُناسب الخطاب، لا ما يُناسب الحقيقة فيسمح بمرور الشعارات، ويُسقط التجارب، ويُلمّع الصورة حتى لو كانت الخلفية مليئة بالثقوب ،إنها عملية تجميل للزيف أكثر من كونها بحثًا عن الحقيقة.
والأخطر من ذلك، أن هذا النوع من “الغربال” لا يكتفي بتضليل الآخرين، بل يخلق وهمًا لدى حامله بأنه على صواب دائم فيبدأ الإيمان بالذات كحارس للحقيقة المطلقة، بينما الواقع يكشف شيئًا مختلفًا تمامًا هشاشة المعايير، وانتقائية الأحكام، وانكسار الاتساق بين القول والفعل.
في النهاية، يبقى السؤال معلقًا هل المشكلة في الانتماء ذاته، أم في الغربال الذي يُفترض أنه يحميه؟ ربما ليست الأزمة في القيم، بل في أولئك الذين يحوّلون القيم إلى شعارات، ويصنعون من الغربال ستارًا يخفي أكثر مما يكشف.
وهكذا، يظل “غربال الانتماء الكاذب” قائمًا… لا لأنه قوي، بل لأن كثيرين يفضلون رؤية الصورة المثقوبة على مواجهة حقيقتها كاملة.
الكاتب من الأردن