ولكم في القصاص حياة

بقلم العميد المتقاعد هاشم المجالي

………………..
ما أشد حاجة المجتمعات إلى الأمن، وما أعظم نعمة الطمأنينة حين تسكن القلوب وتستقر النفوس. فالإنسان لا يهنأ بماله ولا بأهله ولا بمستقبله إذا عاش خائفًا على نفسه أو على من يحب او شعر بأن من أجرموا و تجاوزوا على شرع الله أو قوانين الدولة لا زال بدون تنفيذ للعقوبات التي فرضت عليهم .
ومن خلال تجاربي التي مررت بها عندما كنت مديرا لسجن أم اللولو شمال المملكة ظهر لي أن للعقوبة أثرًا لا يقف عند حدود الجاني وحده، بل يمتد إلى غيره من الناس بعامة المجتمع ، فالمجرم حين يعلم أن القانون نافذ، وأن العقوبة واقعة لا محالة، يعيد النظر في أفعاله وسلوكياته قبل أن يقدم عليها، ويحسب للعواقب حسابها.
وأذكر عندما كنت مديرا للسجون أن أخطر ما كنا نواجهه هم الجماعات المتشددة التي ارتكبت جرائم إرهابية أو ساعدت عليها حيث كان أفراد تلك الجماعات شديدي التماسك، لا يكادون يختلفون في رأي أو موقف، حتى وهم موزعون على أكثر من سجن. وكانوا يرون في أنفسهم قوة لا تُقهر، لأنهم اعتقدوا أن العقوبات القصوى لن تنفذ بحقهم.
لكن المشهد تبدل عندما نُفذت أحكام الإعدام بحق بعض المدانين في قضايا الإرهاب بتفجيرات فنادق عمان بعد استشهاد الطيار معاذ الكساسبة . فقد تغيرت سلوكيات كثيرا منهم، وأصبحوا أكثر التزامًا بأنظمة السجن وتعليماته، وأقل ميلًا إلى التحدي والمواجهة. كما انعكس ذلك على حالة الانضباط داخل المؤسسات الإصلاحية بصورة ملحوظة.
وليس المقصود من العقوبة الانتقام أو التشفي، وإنما حماية المجتمع وصيانة الحقوق وردع المعتدين. فالعدالة الحقيقية هي التي تحفظ حق المظلوم، وتمنع الظالم من تكرار ظلمه، وتبعث في نفوس الناس الشعور بالأمن والإنصاف.
ولهذا جاء قول الله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾، وهي آية عظيمة تجمع بين العدل والرحمة؛ فالقصاص ليس إزهاقًا للحياة، بل حماية لحياة الأبرياء، وحفظ لأمن المجتمع، وصون لحقوق الناس.
إن قوة القانون وسرعة إنفاذ العدالة تمنح المجتمع الثقة والطمأنينة، وتبعث رسالة واضحة بأن الحقوق لا تضيع، وأن أمن الناس فوق كل اعتبار. وعندما يطمئن المظلوم إلى أن العدالة ستأخذ مجراها، يزداد استقرار المجتمع وتتعزز ثقته بمؤسساته.
ويبقى الهدف الأسمى من كل عقوبة عادلة هو أن يعيش الناس آمنين، وأن تُصان الدماء، وأن تُغلق الأبواب أمام الجريمة قبل وقوعها، حتى يبقى المجتمع واحة أمن وسلام.
ولهذا قال الله تعالى ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ) وقال رسول سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ( لإقامة حد من حدود الله خيرُُ من ان تمطر أربعين عاما ) وقال أيضا ( لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها )
صدق الله العظيم ورسوله الكريم في أن بالقصاص حياة لأولي الألباب .

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا