عندما يصبح البقاء مع الذات أشرف من مصافحة عديمي الوفاء والأخلاق

محي الدين غنيم   …..

في زمن اختلطت فيه القيم بالمصالح، وتراجعت فيه معاني الوفاء أمام حسابات المنفعة الشخصية، أصبح الإنسان يكتشف متأخراً أن أكثر ما يؤلمه ليس قسوة الظروف، بل خذلان أولئك الذين منحهم ثقته ومحبته وإخلاصه.
فالوفاء ليس كلمة تُقال، بل موقف يُترجم عند الشدائد. والأخلاق ليست شعارات تُرفع، بل سلوك يظهر في التعامل مع الناس. لكن المؤسف أن البعض يرتدي أقنعة الود والمحبة، فإذا ما تغيرت الظروف أو تبدلت المصالح سقط القناع، وانكشف الوجه الحقيقي الذي لا يعرف للوفاء طريقاً ولا للأخلاق مكاناً.
كم من إنسان وقف إلى جانب الآخرين في أزماتهم، وساندهم في محنهم، ثم وجد نفسه وحيداً عندما احتاج إليهم؟ وكم من شخص قدم الخير دون انتظار مقابل، فكان جزاؤه النكران والجحود؟ إنها مشاهد تتكرر كل يوم، وتدفع الكثيرين إلى إعادة النظر في علاقاتهم واختياراتهم.
إن العيش مع الذات بكرامة واحترام أصبح في كثير من الأحيان أفضل من مرافقة أشخاص لا يعرفون معنى الوفاء، ولا يلتزمون بأبسط قواعد الأخلاق. فالوحدة المؤقتة أهون بكثير من صحبة تملؤها الخيانة، والصمت أرحم من كلمات مزيفة تخفي خلفها النفاق والمصالح.
ولا يعني ذلك الانعزال عن المجتمع أو فقدان الثقة بالجميع، فالدنيا ما زالت بخير، وما زال هناك أوفياء وأصحاب مواقف نبيلة يستحقون الاحترام والتقدير. لكن الحكمة تقتضي أن نُحسن اختيار من نمنحهم ثقتنا، وأن ندرك أن بعض العلاقات عبء على الروح أكثر مما هي مصدر للسعادة.
في النهاية، يبقى الإنسان الحقيقي هو من يحافظ على أخلاقه مهما تغيرت الظروف، ويبقى وفياً مهما تبدلت الأحوال. أما أصحاب المصالح والأقنعة المؤقتة، فإن الزمن كفيل بكشفهم وإسقاطهم من ذاكرة الاحترام.
فليعش الإنسان مع ذاته مرفوع الرأس، محافظاً على كرامته وقيمه، خيراً له من أن يحيط نفسه بأشخاص فقدوا معنى الوفاء وتجردوا من الأخلاق.
الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا